تتحرك “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على أكثر من محور في شمال شرقي سوريا، في محاولة لإعادة صياغة حضورها في المشهد السوري بعد التطورات الأخيرة والمفاوضات المتعثرة مع دمشق. لكن هذه المرة، يبدو أن الرقة ودير الزور على موعد مع معادلة جديدة، قوامها: تفويض العشائر بإدارة مناطقهم، تحت عباءة “الإدارة الذاتية”، وبإشراف غير مباشر من “قسد”.
اجتماعات سرية مع العشائر: نحو تبنٍ جماعي للمشروع
خلال الشهرين الماضيين، عقدت قيادة “قسد”، وعلى رأسها مظلوم عبدي، عدة اجتماعات مع وجهاء عشائر وممثلي المجالس المحلية في الرقة ودير الزور. الهدف المعلن من هذه اللقاءات، وفق ما نقلته مصادر محلية مطلعة، كان إقناع هذه العشائر بضرورة تبنّي نموذج “الإدارة الذاتية” كمطلب شعبي محلي، بغض النظر عن مصير “قسد” في المنطقة.
الطرح الجديد حمل في طياته رسائل واضحة: قسد تتهيأ للانسحاب التدريجي، وتريد أن تضمن بقاء هيكل “الإدارة الذاتية” في المنطقة عبر تفويض المجتمعات المحلية بإدارتها، دون العودة الكاملة لسيطرة الحكومة المركزية في دمشق.
الرقة ودير الزور: تجريب اللامركزية تحت إشراف “قسد”
الطرح الذي جرى تسويقه للعشائر تضمّن وعدًا بإبقاء المؤسسات الحالية والبنية اللوجستية التي أنشأتها “قسد”، لضمان انتقال سلس للسلطة المحلية، على أن تكون الإدارة القادمة مكوّنة من شخصيات محلية موثوقة، بعضها سبق له العمل ضمن مؤسسات “قسد” نفسها.
هذا السيناريو يطرح تساؤلات جوهرية:
هل هو تمهيد لمشروع طويل الأمد للامركزية السياسية في سوريا؟
أم أنه مجرد مناورة مؤقتة تهدف إلى تخفيف الضغوط عن “قسد” في مناطقها الأساسية مثل الحسكة، وإعادة التموضع بناءً على متغيرات إقليمية ودولية؟
مفاوضات دمشق – قسد: اللامركزية شرط لا تنازل عنه
على خط موازٍ، تستمر المفاوضات بين دمشق و”قسد”، وسط تعقيدات سياسية وعسكرية. وتشير مصادر قريبة من تلك المباحثات إلى أن “قسد” لا تقبل بأي تسوية تؤدي إلى حل مؤسساتها أو دمجها الفردي في أجهزة الدولة.
الشرط الأساسي الذي تطرحه “قسد” هو الإبقاء على هيكليتها العسكرية والأمنية، مع دمجها شكليًا ضمن وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين، بما يضمن لها دورًا واضحًا في إدارة شؤون المناطق الخاضعة لها حاليًا.
كما تؤكد “قسد” أن تبنّي نظام حكم لا مركزي لا يعني الانفصال، بل هو ضمانة لوحدة واستقرار البلاد، ويمنع تكرار مآسي الماضي التي شهدتها مناطق مثل الساحل والسويداء، ناهيك عن أنه يشكل سدًا منيعًا أمام التدخلات الخارجية.
قاعد الشدادي: اجتماع يضع ملامح المرحلة المقبلة
في تطور لافت، شهدت مدينة الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي اجتماعًا موسعًا داخل القاعدة الأميركية هناك، بحضور قيادات من “قسد” وممثلين عن المجلسين المدني والعسكري لدير الزور، إضافة إلى وجهاء عشائر وشخصيات ثقافية.
الاجتماع يأتي في سياق تثبيت التحالفات المحلية، وإعادة التأكيد على استراتيجية “قسد” الرامية إلى تحقيق انتقال سياسي هادئ في الرقة ودير الزور، مع إبقاء خيوط التأثير في يدها، ولو بشكل غير مباشر.
بين تسليم تكتيكي وبقاء استراتيجي
التحركات الجارية توحي بأن “قسد” لا تستعد للرحيل من الرقة ودير الزور بشكل كامل، بل تعمل على تحويل وجودها من عسكري مباشر إلى نفوذ سياسي ومؤسساتي غير معلن. استراتيجية تقوم على التفويض المحلي المدعوم من الخارج، وتسعى لضمان بقاء نموذج “الإدارة الذاتية” حتى بعد اندماج “قسد” في هيكل الدولة السورية.
لكن الرهان الحقيقي سيبقى على قدرة هذه المجالس والعشائر في إدارة شؤونها بفعالية، دون الدخول في صراعات جديدة أو الخضوع لضغوط دمشق أو القوى الإقليمية الفاعلة.






