في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات وتتناقص فيه المبادرات الصادقة، تثبت دولة الإمارات العربية المتحدة مرة تلو الأخرى أن العمل الإنساني ليس مجرّد شعارات تُرفع في المؤتمرات، بل ممارسة يومية تتجسد على الأرض، بشراكة بين الدولة ومؤسساتها الخيرية، وبنهج يستبطن القيم النبيلة التي قامت عليها السياسة الإماراتية منذ تأسيس الاتحاد.
في هذا السياق، أبحرت أمس من ميناء خليفة «كيزاد» في العاصمة أبوظبي، سفينة “خليفة للمساعدات الإنسانية” الثامنة، محمّلةً بأضخم شحنة مساعدات إماراتية موجهة إلى قطاع غزة، ضمن عملية “الفارس الشهم 3″، في خطوة جديدة تؤكد أن البوصلة الإنسانية لدولة الإمارات لا تحيد، حتى في أعقد الظروف وأكثرها قسوة.
الوجهة: ميناء العريش المصري، حيث ستُفرغ حمولة السفينة تمهيدًا لإدخالها إلى قطاع غزة، الذي يعيش واحدة من أكثر الفترات مأساوية في تاريخه الحديث، بفعل الحصار الخانق والعدوان المتكرر، والانهيار الشامل في البنية التحتية والخدمات الأساسية. ورغم تعقيدات المعابر، والاعتبارات السياسية التي كثيرًا ما تؤخر وصول الإغاثة، فإن الإمارات تمضي في مساعيها بتنسيق دقيق، مستندة إلى علاقاتها المتينة مع الأطراف المعنية، وإلى سجلها الحافل بالمبادرات الهادفة.
السفينة الثامنة ليست مجرد رقم ضمن سلسلة شحنات، بل هي الأكبر حتى الآن من حيث الحمولة، إذ بلغت 7166 طنًا من المساعدات المتنوعة، شملت أكثر من 4300 طن من المواد الغذائية، و1433 طنًا من معدات الإيواء، إلى جانب 860 طنًا من الإمدادات الطبية، و501 طن من المواد الصحية، في محاولة جادة لسد الفجوات المتراكمة في احتياجات السكان الذين باتوا يواجهون خطر المجاعة وانهيار النظام الصحي.
ووفق الأرقام الرسمية، يرتفع بهذه الشحنة إجمالي المساعدات التي أرسلتها الإمارات إلى غزة منذ انطلاق عملية «الفارس الشهم 3» إلى أكثر من 77 ألف طن، ما يعكس حجم الالتزام الذي تبديه الدولة تجاه الشعب الفلسطيني، لا في إطار شعارات التضامن الموسمية، بل ضمن رؤية استراتيجية تتعامل مع الكارثة كملف إنساني يتطلب استجابة مستمرة وشاملة.
هذا الحراك لا يُقرأ فقط في عداد الأطنان والمساعدات، بل في البُعد الرمزي والسياسي والأخلاقي الذي تحمله مثل هذه المبادرات. فبينما تكتفي بعض الدول بإصدار بيانات “القلق” و”الدعوات”، تختار الإمارات أن تكون في الميدان، بين المرضى والجوعى والمشرّدين، تمد يدها بكرامة، وتقدّم عونًا لا يشترط الولاء، ولا يحمل أجندة خفية.
عملية “الفارس الشهم” بما تضمنته من جسر جوي، وسفن شحن، ومستشفيات ميدانية، تمثل اليوم مرجعًا في كيفية إدارة الاستجابة الإنسانية الحديثة، خصوصًا حين تكون الأزمة معقّدة ومحاطة بالقيود اللوجستية والسياسية. ويكفي أن ننظر إلى قدرة الإمارات على تأمين خطوط إيصال المساعدات إلى غزة، رغم العراقيل، لندرك أن هناك إرادة تتجاوز التعقيدات، وإصرارًا على أن لا يتحول الغضب الدولي إلى صمت إنساني.
وفي وقت تزداد فيه هشاشة الموقف الإقليمي، وتبدو فيه الأزمات الفلسطينية وكأنها غدت اعتيادية في الضمير العالمي، تشكل المبادرات الإماراتية تذكيرًا بأن الكارثة لا تزال حيّة، وأن شعوبًا بأكملها تعيش على حافة الانهيار الكامل، ما لم تُمد لها يد العون الحقيقي.
هكذا، لا تكتفي الإمارات بإرسال سفن المساعدات، بل ترسل معها رسالة واضحة: أن الكرامة الإنسانية لا تُجزأ، وأن الشعوب التي عانت طويلاً لا يجب أن تُترك لمصيرها، خاصة حين يتعلق الأمر بمآسي متكررة مثل مأساة غزة، التي باتت عنوانًا للعجز الدولي.
وفي كل ذلك، تواصل الإمارات تقديم نموذج خاص في العمل الخيري العربي، يجمع بين الاستجابة السريعة، والتخطيط الدقيق، والتنسيق مع الشركاء الدوليين، بما يُحوّل الإغاثة من فعل عابر إلى سياسة دائمة، ومن حملة إعلامية إلى مشروع إنساني متكامل.







