في الأزقة الضيقة لمخيّم جنين، وعلى حواف المدن التي تعوّدت أن تنام على أصوات المطاردات وتستيقظ على أخبار الاعتقالات، برزت في الآونة الأخيرة مشهدية جديدة، لافتة، ومثيرة لأسئلة عميقة: شبان فلسطينيون منتمون لفصائل مقاومة، يقرّرون بكامل وعيهم تسليم أنفسهم للاحتلال، متجاوزين بذلك خيار “الاحتجاز الوقائي” لدى الأجهزة الأمنية الفلسطينية.
هذه الخطوة، التي تبدو للوهلة الأولى مستغربة أو حتى مستفزة للبعض، لا تعبّر عن تغيير في الانتماء أو تراجع عن القناعة، بل تكشف عن حالة مركّبة من الغموض والخذلان. فحسب ما تؤكده عدة روايات متقاطعة، فإن من اختاروا الاحتماء بالسلطة، لم يحصلوا على ما يكفي من وضوح بشأن وضعهم القانوني، ولا على ضمانات حول مدة الاحتجاز أو مصيرهم بعد ذلك. بعضهم قضى شهورًا في الحجز دون محاكمة، ودون أن يعرف متى وأين سيفرج عنه، بينما بقيت عائلاتهم في حالة ترقّب مرهقة، دون معلومات أو دعم نفسي وعملي حقيقي.
في المقابل، فإن من سلّموا أنفسهم لقوات الاحتلال – رغم قسوة هذا الخيار – وجدوا على الأقل “وضوحًا إجرائيًا”: اعتقال رسمي، محاكمة معلنة، وراتب ثابت لعائلاتهم من وزارة شؤون الأسرى والمحررين، يخفّف من الأعباء المالية التي تخلّفها حياة المطاردة، والتي تحرم الشاب من العمل، والحركة، وحتى من الحياة مع أسرته.
في حديثٍ مؤلم لا يخلو من واقعيةٍ صادمة، يقول “أبو خالد”، والد أحد المطلوبين من مخيّم جنين:
“ابني سلّم نفسه للاحتلال. لم يكن ذلك انتصارًا، ولا حتى خيارًا حقيقيًا. كان فقط نهاية لحالة انتظار طويلة ومُنهِكة. طوال أكثر من عام ونصف، وهو مطارد، لا يخرج من البيت، ولا يستطيع العمل، ولا رؤية زوجته. حاولنا التواصل مع السلطة لبحث إمكانية تسوية وضعه، لكننا لم نحصل على أي رد واضح. بقينا ننتظر حلًا، دون فائدة. لم تكن هناك حماية، ولا ضمانات. في النهاية، قرر أن يسلّم نفسه.”
ويضيف بحسرة: لم نكن نريده أن يذهب إلى الاحتلال، لكن ماذا كنّا نستطيع أن نفعل؟ على الأقل، نحن نعرف الآن أين هو، ونعلم أن راتبًا من وزارة شؤون الأسرى سيساعدنا قليلًا في تدبير شؤون الحياة اليومية. هذا ليس خيارًا نفتخر به، لكنه كان الخيار الوحيد المتاح في ظل الغموض الذي كنّا نعيشه.”
ليست هذه الشهادات دعوة لإضفاء شرعية على اعتقال الاحتلال، ولا لتبرئة أي يد تمتد لاعتقال فلسطيني. لكنها تسلّط الضوء على ثغرة حساسة في طريقة تعامل المؤسسة الرسمية مع هؤلاء الشبان الذين يجدون أنفسهم على هامش المعادلة، دون رؤية واضحة، ودون سياسة متماسكة تضمن كرامتهم، وتطمئن عائلاتهم.
من المهم أن نفهم أن الخيار بين “الاحتجاز لدى السلطة” و”الاعتقال لدى الاحتلال” ليس خيارًا حقيقيًا، بل هو انعكاس لغياب خيارات ثالثة، بديلة، تحترم موقع هؤلاء في النضال الفلسطيني، وتمنحهم الحد الأدنى من الحقوق داخل منظومة وطنية.
إنّ ما نشهده اليوم من قرارات فردية بتسليم النفس للاحتلال لا يمكن فصله عن الواقع المعقّد الذي يعيشه بعض الشبان المطلوبين، لا سيّما في ظل تجارب كشفت عن غياب الوضوح والضمانات لدى من اختاروا اللجوء إلى الأجهزة الأمنية الفلسطينية.
وبينما لا يمكن تعميم هذه الحالات، إلا أنها تفتح بابًا مهمًا للتساؤل حول مدى قدرة المنظومات القائمة على احتواء هؤلاء الأفراد وتقديم بدائل تحفظ كرامتهم وتوفّر الحد الأدنى من الاستقرار لهم ولعائلاتهم. التعامل مع هذه الظاهرة يستدعي مراجعة هادئة ومنفتحة للسياسات المعتمدة، بما يسهم في تعزيز الثقة، ويمنع تحوّل الحيرة الفردية إلى نمط متكرّر يعبّر عن أزمة أعمق في إدارة هذا الملف الحساس.







