تحتجز حكومة الاحتلال الإسرائيلي للشهر الثالث على التوالي كامل عائدات الضرائب الفلسطينية (المقاصة)، في خطوة غير مسبوقة منذ توقيع بروتوكول باريس الاقتصادي عام 1994، وهو ما وضع السلطة الوطنية الفلسطينية في مواجهة أزمة مالية خانقة تتزامن مع حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة والتصعيد العسكري في الضفة الغربية بما فيها القدس.
بموجب بروتوكول باريس، تتولى إسرائيل جباية الضرائب والجمارك المفروضة على السلع المستوردة للأراضي الفلسطينية، مقابل اقتطاع 3% كعمولة إدارية، ثم تحويلها شهريًا للخزينة الفلسطينية. وتشكل هذه الإيرادات أكثر من ثلثي ميزانية السلطة، إذ بلغت عام 2023 نحو 3.2 مليار دولار.
ورقة ضغط سياسي واقتصادي
إسرائيل استخدمت هذه الأموال، منذ سنوات، كورقة ضغط سياسي واقتصادي، عبر الاقتطاع والاحتجاز، وفرض خصومات غير قانونية شملت فواتير كهرباء ومياه ورسوم معابر، فضلًا عن خصومات موازية لمخصصات الأسرى والشهداء وحصة غزة. ووفق تقديرات رسمية، تحتجز إسرائيل منذ عام 2019 ما يقارب 9.5 مليار شيقل بشكل غير قانوني، إضافة إلى رسوم تراكميّة تقدّر بـ250 مليون دولار مستحقة عن المعابر.
الأزمة الراهنة فاقمت هشاشة الوضع المالي الفلسطيني. فمنذ أواخر 2021، اضطرت الحكومة الفلسطينية إلى صرف رواتب الموظفين منقوصة، نتيجة زيادة الاقتطاعات الإسرائيلية وتراجع المنح الخارجية. واليوم، ومع استمرار حجز المقاصة منذ أيار الماضي، لم يتبقَ أمام الحكومة سوى الاعتماد على الإيرادات المحلية التي لا تتجاوز 250 مليون شيقل شهريًا، وهو مبلغ غير كافٍ لتغطية النفقات الأساسية ورواتب القطاع العام التي تصل إلى نحو 890 مليون شيقل. في الوقت نفسه، يشهد الدعم الدولي تراجعًا كبيرًا، ما جعل الأزمة أكثر عمقًا.
أزمات داخلية تهدد السلم
الانعكاسات تتجاوز الجانب المالي لتطال البنية الاجتماعية والخدمات الأساسية. فوزارة الصحة تواجه نقصًا حادًا في الأدوية والمستلزمات، وسط تحذيرات من شلل القطاع الصحي. قطاع التعليم والخدمات الاجتماعية مهددان بالانكماش، فيما ترتفع معدلات البطالة والفقر، وهو ما ينذر بأزمات داخلية قد تهدد السلم الأهلي. مجلس الوزراء الفلسطيني لوّح خلال جلسة طارئة الشهر الماضي بخطوات اضطرارية، منها إيقاف عمل بعض الدوائر الرسمية أو تقليص ساعات عمل الموظفين، لتخفيف الضغط على الخزينة.
في مواجهة ذلك، تحاول القيادة الفلسطينية، برئاسة محمود عباس، التحرك سياسيًا وقانونيًا عبر قنوات دولية، خاصة في الولايات المتحدة وفرنسا، لإلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها. كما تسعى الحكومة إلى اتخاذ إجراءات داخلية للتخفيف من الأزمة، مثل ترتيبات مع شركات الكهرباء والاتصالات لتخفيف الأعباء عن الموظفين، وإجراءات تقشفية وإصلاحية لترشيد النفقات، آخرها في ملف التحويلات الطبية. إضافة إلى ذلك، تعمل وزارة المالية على إعداد متطلبات إصدار سندات سيادية كأداة لتمويل الخزينة وتغطية ديونها المتراكمة، رغم أن خبراء يرون أن هذا الخيار طويل الأمد ويحتاج لإطار تشريعي وفني لم يتوفر بعد.
خطر الانهيار
ورغم نجاح الحكومة في بعض الإجراءات الفنية كتسوية ملفات “صافي الإقراض” مع شركات الكهرباء والهيئات المحلية بما قيمته 600 مليون شيقل، إلا أن الاقتراض البنكي بلغ حدّه الأعلى، والدين العام وصل إلى نحو 13 مليار دولار، ما يعكس ضيق الخيارات المتاحة. لذلك يرى خبراء ماليون، مثل مؤيد عفانة، أن الحلول الفنية لم تعد كافية، وأن المطلوب حملة دولية قانونية وسياسية ودبلوماسية لانتزاع أموال المقاصة، إلى جانب تفعيل شبكة الأمان العربية وحشد دعم دولي عاجل لتفادي الانهيار المالي.
الأزمة الحالية تكشف عمق الارتباط بين الاقتصاد الفلسطيني والاحتلال، وتؤكد أن استمرار حجز أموال المقاصة لا يهدد فقط استقرار الحكومة ومؤسساتها، بل يضع الكيان الفلسطيني برمّته أمام خطر الانهيار، ما لم يتم تدارك الوضع بمسارات سياسية وضغط دولي يضمن استعادة الأموال ويؤمن بدائل مالية عاجلة.







