في مشهد يتكرر بوحشية مألوفة، فجّرت قوات الاحتلال الإسرائيلي، صباح اليوم، ثلاثة منازل في بلدة قباطية جنوب جنين، تعود لعائلات الشهداء قتيبة الشلبي، محمد نزال، ووائل لحلوح، الذين اتهمهم الاحتلال بتنفيذ عملية فندق قرب قلقيلية العام الماضي، وجرى اغتيالهم في وقت لاحق. هذا الاعتداء ليس مجرد إجراء أمني كما تحاول المؤسسة العسكرية الإسرائيلية الترويج له، بل هو فعل انتقامي يعكس سياسة عقاب جماعي ممنهج، تتخذ من تدمير البيوت أداة لإخضاع المجتمع الفلسطيني وترويع سكانه.
دلالات خطيرة
تدمير المنازل بهذا الشكل يضعنا أمام جملة من الدلالات الخطيرة، أولها أن الضفة الغربية لم تعد ساحة توتر فقط، بل تتحول تدريجيًا إلى حلبة قمع مفتوحة دون قيد أو رادع. فالاحتلال يتجاوز في سلوكه منطق “الردع” إلى ممارسة انتقام صريح من عائلات الشهداء، رغم أن القانون الدولي يحظر العقوبات الجماعية ويمنع استهداف ممتلكات المدنيين. تفجير منزل لا يُعاقب من مات، بل يدمر حياة عائلة كاملة، غالبًا ما تضم نساءً وأطفالًا لا علاقة لهم بأي عمل عسكري.
الدلالة الثانية تتعلق بتصعيد واضح في أساليب السيطرة، إذ تترافق هذه التفجيرات مع حملات اعتقال ومداهمات ليلية أصبحت سمة يومية في الضفة الغربية. لا تقتصر هذه الحملات على مطاردة مطلوبين أمنيين بحسب تصنيف الاحتلال، بل تتعدى ذلك إلى سياسة ترويع جماعي، الهدف منها تحطيم البنية الاجتماعية والنفسية للمدن والبلدات الفلسطينية. فالجنين وقباطية ونابلس ورام الله، ليست سوى أسماء في قائمة طويلة من المواقع التي تتعرض باستمرار لاجتياحات منظمة، غالبًا ما تنتهي بسقوط شهداء واعتقالات وتخريب واسع.
سحق المقاومة
ولا يمكن إغفال الرسالة السياسية الكامنة وراء هذا التصعيد. فالحكومة الإسرائيلية الحالية، وهي من أكثر الحكومات تطرفًا في تاريخ الاحتلال، تستخدم هذا العنف لتأكيد سيطرتها على الضفة الغربية، ولتوجيه رسائل داخلية لجمهورها المتشدد بأنها قادرة على سحق المقاومة بأي ثمن. التفجيرات، والاعتقالات، وبناء المزيد من الحواجز العسكرية، كلها تعبير عن استراتيجيات الاحتلال لترسيخ نظام الفصل العنصري وتعميق واقع الاحتلال طويل الأمد.
وفي المقابل، فإن هذا التصعيد يقوّض أي أفق لعودة الاستقرار أو الحديث عن تسوية سياسية. فكيف يمكن بناء الثقة في بيئة تُفجّر فيها البيوت وتُعتقل فيها العائلات بشكل جماعي؟ إن تدمير البيوت لا يُسكت الغضب، بل يعمّقه ويغذّي روح المقاومة، ويدفع بالمجتمع الفلسطيني نحو مزيد من التشبث بحقوقه ورفضه لسياسة الإخضاع.
الاحتلال يواصل التصعيد
إن استمرار الاحتلال في هذه الممارسات يُنذر بمزيد من الانفجار في الضفة الغربية، لا سيما أن هذه السياسات لا تُواجَه برد فعل دولي حازم، بل تُقابل بصمت وتواطؤ في أحيان كثيرة. وإذا ما استمر هذا الصمت، فإن الاحتلال سيواصل مسار التصعيد، غير آبه بنتائج هذا النهج، الذي لا يزرع إلا الكراهية والدمار.







