تتوالى فصول المأساة اليومية التي يعيشها الفلسطينيون في الضفة الغربية، حيث لم يعد الاحتلال يكتفي بسياسة التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي، بل أطلق يد المستوطنين ليمارسوا أبشع أشكال الاعتداء على حياة الناس ومواردهم. ما جرى في مسافر يطا جنوب الخليل يقدم صورة مكثفة عن هذه الاستراتيجية المزدوجة: الدولة عبر جيشها وشرطتها تهدم البيوت وتصدر الأوامر العسكرية، بينما العصابات الاستيطانية تلاحق السكان في تفاصيل حياتهم اليومية، فتدمر شبكات المياه والكهرباء وتطلق مواشيها على بساتينهم.
تواطؤ الاحتلال
قرية أم الخير، التي تعتمد على شبكتي مياه وكهرباء هزيلتين لإدامة الحد الأدنى من الحياة، تعرضت لتخريب متكرر من قبل المستوطنين، هذه المرة تحت أنظار قوات الاحتلال التي وقفت صامتة، بما يكشف عن تواطؤ واضح يحوّل الاعتداءات الفردية إلى سياسة منظمة. وما يزيد من قسوة المشهد أن تدمير البنى التحتية الأساسية ليس مجرد تخريب مادّي، بل رسالة تهجير قسرية، الهدف منها دفع الأهالي لترك قراهم بعد أن تتحول الحياة فيها إلى جحيم.
وفي الوقت نفسه، واصلت سلطات الاحتلال حربها القانونية المزعومة عبر أوامر الهدم، إذ سلّمت خمسة منازل في قرية لصيفر لعائلة أبو قبيطة أوامر بالهدم، ما يعني تشريد عشرات الأفراد الذين لا يجدون بديلاً سوى الخيام أو النزوح القسري. هذه السياسة ليست استثناء، بل جزء من عملية متواصلة لتحويل مسافر يطا إلى أرض فارغة، تمهيداً لضمها إلى خارطة الاستيطان الكبرى التي تسعى إسرائيل إلى فرضها كأمر واقع.
حرب صامتة
الأرض أيضاً لم تسلم من هذا الاستهداف، إذ تعمّد المستوطنون إطلاق قطعانهم في مناطق زراعية واسعة مثل أغزيوه ومراح الباطية وواد ماعين وشعب البطم وغيرها، ما أدى إلى تدمير مئات الأشجار المثمرة. وبذلك يُحرَم المزارع الفلسطيني من مصدر رزقه، وتُقوّض علاقته بأرضه التي صمد فيها جيلاً بعد جيل.
ما يجري في الضفة الغربية، ولا سيما في مسافر يطا، لم يعد مجرد اعتداءات متفرقة، بل هو حرب صامتة تستهدف مقومات بقاء الفلسطينيين في أرضهم. إنها مأساة مركّبة: بيوت تُهدم، أراضٍ تُنهب، أشجار تُقتلع، وبنى تحتية تُدمَّر، وكل ذلك يجري في ظل صمت دولي مريب وتواطؤ رسمي من جيش الاحتلال. في المحصلة، يدفع الأهالي ثمن صمودهم، إذ يُتركون بين خيارين كلاهما مرّ: إما البقاء في ظروف غير إنسانية، أو الرحيل عن أرضهم، وهو الهدف النهائي للاحتلال.




