في صورته المأساوية الشخصية والاجتماعية والسياسية، تقف قصة محمد عماد وغيرها من الشبان العراقيين الذين توجهوا إلى روسيا للقتال في أوكرانيا كمرآة تعكس واقعًا مركبًا من الفشل والتشويش في المسارات الوطنية، واقتصاد هش، وفراغ أيديولوجي وُظف عبر منصات رقمية لبيع وهم مادي وسلطة مختلقة. ليست هذه الحكايات مجرد حالات معزولة لشباب مغامر أو متهور؛ بل هي نتيجة لتراكم عوامل بنيوية دفعت فئات واسعة من الشباب إلى اعتبار الحروب البعيدة فرصة ما يفتقدونه في وطنهم: دخل محترم، هوية متمايزة، أو حتى مهرب من واقع قاتم.
السماسرة واستغلال الشباب في الحروب
أولاً، العامل الاقتصادي يبرز كدافع أساسي ومباشر. في بلد يعاني من بطالة شابة مرتفعة، وانهيار فرص العمل للذين لا يمتلكون شبكة نفوذ أو رأس مال، تصبح عروض رواتب بأضعاف ما يُدفع محليًا إغراءً يفوق مجرد تحذير أخلاقي. العرض المالي هنا لا يعمل في فراغ؛ بل يُروّج له عبر حسابات مؤثرة تضع صورة ناجحة ومبسطة لمسار التجنيد والانتقال، تُخفي هشاشة الشروط وسوء المعاملة والمخاطر الحقيقية في الميدان. وهنا يظهر دور “السماسرة” والقنوات التي تستغل اليأس، فتتقاضى عمولات وتقدم وعودًا غير مضمونة، مما يجعل عملية التجنيد أشبه بتجارة بشر بصبغة عسكرية.
ثانيًا، البعد الاجتماعي والثقافي يلعب دورًا لا يقل أهمية. لدى الكثير من الشباب إحساس بفقدان المستقبل أو الكرامة داخل محيطهم. تجربة الحروب المتتالية، وانهيار الخدمات، وتدهور البنية الاجتماعية، خلقت جيلاً يبحث عن ما يُعرفه أو يمنحه معنى وموضع احترام؛ فالمشاركة في صراعات خارجية تُعرض كخيار بديل لاكتساب هوية جديدة، أو حتى كوسيلة لإرسال تحويلات مالية لعائلات تعاني. هذه الديناميكية تتقاطع مع وصمة العار المجتمعية التي تلاحق العائدين أو أصحاب الجثث؛ فالتضاد بين الحاجة المادية والعار الاجتماعي يفاقم حسرة الأسر ويعمّق العزلة.
ثالثًا، التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي قدمت آلية تجنيد جديدة سريعة وواسعة الانتشار. استخدام تيك توك وتيليغرام وقنوات موجهة يتيح وصول رسائل مجذّبة إلى فئات عمرية عرضة للتأثر، مع محتوى يبسط المخاطر ويظهر الربح فقط. كذلك تُترجم الرسائل وتبنى شبكات اتصال تسهّل إجراءات الهجرة والتجنيد، ما يحوّل إدارة هذه الظاهرة إلى تحدٍ أمني وقانوني يتطلب تنسيقًا عبر الحدود.
العراق أمام مسؤولية مزدوجة
رابعًا، هناك بعد قانوني وسياسي داخلي. الدولة العراقية أعلنت موقفها الرسمي بالحياد ورفض تجنيد مواطنيها في حرب أجنبية، وصدرت أحكام قضائية بحق شبكات الاتجار بالبشر المرتبطة بالتجنيد. لكن ضعف الرقابة، وتفشي الفساد، وتراخي أجهزة إنفاذ القانون في بعض المناطق، كل ذلك يسمح بتكاثر وسطاء يعملون بغطاء شبه مشروع أو عبر قنوات خارجية. كما أن غياب سياسات اقتصادية وجدية لتوظيف الشباب يجعل إجراءات المنع وحدها غير كافية؛ إذ تحتاج الدولة إلى بدائل مأمونة وواضحة للشباب وفُرص حقيقية للبقاء بعزّة داخل بلدهم.
خامسًا، الأثر الإنساني واجتماعي لا يقل أهمية عن البعد السياسي. أسر مثل أسرة محمد تعيش حالة من المجهول والعذاب، بين شائعات متضاربة وأمل مرهون بعودة أو دفن أو حتى خبر نهائي. هذا الواقع يولّد صدمات جماعية، ويؤثر على نسيج المجتمعات المحلية التي قد تُقسى على العائلات المتأثرة بدافع الخجل أو الخوف من وصمة “التجنيد كمرتزقة”. علاوة على ذلك، يؤدي تعامُل المجتمعات مع هذه الحالات إلى مزيد من الهجرة الداخلية أو خانة من الصمت الاجتماعي التي تعجز عن المطالبة بحقوق الضحايا.
تطبيق القانون بحزم على شبكات التجنيد والاتجار
ثمة أبعاد دولية وسياسية يجب الإشارة إليها. روسيا، من خلال سياسة تجنيد مقاتلين أجانب ومنح جنسيات أو امتيازات مادية، تستفيد من واقعة اقتصادية وسياسية معقدة في دول المنشأ. هذا الاستخدام للنفوذ يضع دولًا مثل العراق أمام مسؤولية مزدوجة: حماية مواطنيها من الاستغلال ومن جهة أخرى، تقديم رعاية للأسر والتعامل مع العائدين. كما أن المجتمع الدولي يتحمل جزءًا من المسؤولية بضرورة مكافحة شبكات الاتجار والابتزاز التي تعمل عبر الحدود الرقمية والفيزيائية.
خلاصة التحليل تشير إلى أن معركة الحد من تدفق المفصولين والشباب إلى ساحات قتال أجنبية لا يمكن أن تكون أمنية بحتة. تحتاج إلى استراتيجية شمولية: تطبيق القانون بحزم على شبكات التجنيد والاتجار، حملات توعية فعّالة تستهدف الشباب وأسرهم، بدائل اقتصادية حقيقية وفرص تشغيل، وتعزيز الحماية القنصلية والعلاقات الدبلوماسية لتنسيق إجراءات البحث عن المفقودين وتسليم الجثامين. كما أن معالجة الوصمة الاجتماعية تتطلب دعمًا نفسيًا واجتماعيًا للعائلات ومشروعات لإعادة إدماج العائدين. من دون هذا المزيج، ستبقى قصص محمد وغيرها مرآة تعكس إخفاقات متعددة الأوجه لدى المجتمع والدولة، وستستمر حياة الشباب عرضة للاستغلال في صراعات ليست من صنعهم ولا مصلحة مستقبلهم فيها واضحة.







