تُظهر عودة سفن الحاويات العملاقة التابعة للخط الملاحي الفرنسي CMA CGM إلى عبور قناة السويس من جهة الجنوب عبر باب المندب تحولاً لافتاً في المزاج الملاحي العالمي تجاه المنطقة، بعدما شهدت خلال العام الماضي اضطراباً كبيراً نتيجة التوترات الأمنية التي دفعت العديد من الخطوط إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح. هذا التطور يحمل دلالات مهمة، لا تتعلق فقط بكونه شهادة على جاهزية القناة لاستقبال أكبر أجيال السفن في العالم، بل يتصل أيضاً بإعادة تشكيل توازنات النقل البحري ومسارات التجارة الدولية التي تأثرت بشدة بفعل الأزمات الأمنية والاقتصادية العالمية.
تطبيق الحوافز التجارية
تمثل عودة السفينة العملاقة CMA CGM JULES VERNE — بإجمالي حمولة يصل إلى 176 ألف طن وطول يناهز 396 متراً — مؤشراً واضحاً على استعادة الثقة في الملاحة بمنطقة البحر الأحمر، خصوصاً في المقطع الحيوي الممتد بين باب المندب وقناة السويس. هذه السفينة، التي سبق أن عبرت القناة في يونيو وسبتمبر الماضيين من جهة الشمال بعد تطبيق الحوافز التجارية، اختارت الآن العودة من الجنوب، وهو القرار الذي يشير إلى أن الخط الملاحي الفرنسي بات يرى أن معدل المخاطر في المنطقة قد انخفض بصورة تسمح باستئناف العمليات التجارية التقليدية. ويبدو أن نجاح قمة شرم الشيخ وما رافقه من رسائل طمأنة أمنية وسياسية ساهم في تسريع هذا التحول.
زيارة الفريق أسامة ربيع للسفينة خلال عبورها، وما تلاها من إشادة واضحة من قبطانها بالمستوى الفني والخدمي في القناة، يحملان بعدين أساسيين: الأول أن الإدارة المصرية تحرص على التواصل المباشر مع الفاعلين الرئيسيين في قطاع النقل البحري، في إطار سياسة تهدف إلى تقليل المخاوف وإعادة بناء جسور الثقة. والثاني أن القناة تملك بنية تحتية وإمكانات بشرية تجعلها قادرة على التعامل مع السفن فائقة الضخامة، وهو عامل حاسم في ظل المنافسة العالمية على حركة التجارة.
رسالة مزدوجة
بجانب ذلك، يعكس العبور المتزامن لسفينتي المجموعة، JULES VERNE وHELIUM، رغبة CMA CGM في إرسال رسالة مزدوجة: الأولى للقطاع الملاحي الدولي بأن القناة ما تزال الخيار الأقصر والأكثر جدوى اقتصادياً، والثانية للمستثمرين وشركائها بأنها قادرة على التكيف مع التحديات الأمنية دون أن تتخلى عن مساراتها الاستراتيجية التقليدية. فاختيار القناة يوفر لشركات الشحن وفورات كبيرة في تكلفة الوقود والزمن مقارنة بالطريق البديل حول رأس الرجاء الصالح، وهو خيار لم يكن مرغوباً من قبل الشركات إلا تحت ضغط المخاطر الأمنية القصوى.
هذا السياق يضع قناة السويس، كأحد أهم شرايين التجارة العالمية، في موقع متقدم لاستعادة جزء كبير من حركة السفن التي غادرتها في الأشهر الماضية. فعودة الهدوء النسبي إلى البحر الأحمر تفرض تغيراً في حسابات الخطوط الملاحية، ولا سيما تلك التي تعتمد على السرعة ودقة مواعيد التسليم في سلاسل التجارة العالمية. ويبدو أن هيئة القناة تدرك أهمية هذه اللحظة، إذ أعلن الفريق ربيع أنها ستكثف اجتماعاتها مع الخطوط الملاحية لمناقشة خطط العودة، سواء عبر رحلات تجريبية أو عودة جزئية أو كلية. وهذا يعني أن الهيئة تشرع في عملية دبلوماسية اقتصادية دينامية تستهدف استعادة حركة العبور تدريجياً، مع تقديم حوافز وطمأنة تشغيلية تضمن انتقالاً آمناً ومنظماً.
تراجع إيرادات القناة
من زاوية أخرى، يحمل هذا التطور بعداً اقتصادياً مباشراً لمصر التي تعتمد على إيرادات قناة السويس كأحد أهم مصادر النقد الأجنبي. فالتحول المؤقت للخطوط الملاحية نحو رأس الرجاء الصالح تسبب في تراجع ملحوظ في إيرادات القناة، وأثر على ميزان المدفوعات والدورة الاقتصادية الكلية. لذا فإن أي مؤشرات على استعادة حركة العبور تمثل إشارة إيجابية للأسواق وللمؤسسات المالحة، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي تمر بها البلاد. ومن شأن زيادة حركة السفن العملاقة أن تعيد القناة تدريجياً إلى مستوياتها التشغيلية السابقة، مع احتمال ارتفاع الإيرادات في النصف الثاني من العام إذا استمرت الظروف الأمنية بالتحسن.
ولا يقل البعد الاستراتيجي أهمية عن البعد الاقتصادي. فموقع القناة الجغرافي يجعلها جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي، خصوصاً في منطقة تعيش حالة سيولة أمنية تمتد من شرق أفريقيا إلى جنوب البحر الأحمر. ولذلك، فإن قدرة الدولة المصرية على تأمين الملاحة في الجانب الشمالي للممر الدولي، إضافة إلى التنسيق غير المعلن مع القوى البحرية الدولية العاملة في البحر الأحمر، لعبت دوراً مهماً في طمأنة شركات الشحن. كما أن مشاريع التطوير المستمرة، مثل مشروع تطوير القطاع الجنوبي الذي أشاد به قبطان السفينة، يعزز من قدرة القناة على المنافسة العالمية، من خلال زيادة الأمان الملاحي وتقليل ساعات الانتظار والعبور.
يمثل نجاح مشروع تطوير القطاع الجنوبي إضافة جوهرية للقدرات الفنية للقناة، فهو لا يقتصر على توسيع المجرى أو تعميقه فقط، بل يشمل تحسين الأداء التشغيلي ورفع كفاءة الإرشاد الملاحي. وهذا يفسر سبب قدرة القناة على التعامل بسهولة مع سفن بهذا الحجم، وهو عنصر يفتقر إليه العديد من الممرات البحرية الأخرى التي لا تستطيع استقبال سفن بحمولة تتجاوز 150 ألف طن. وفي عالم تزداد فيه أحجام السفن لتقليل التكلفة، يصبح هذا التفوق التقني جزءاً أساسياً من قوة القناة.
تراجع مستوى التهديدات
من جهة أخرى، فإن تأكيد القبطان على عدم مواجهة سفن CMA CGM لأي تحديات خلال عبورها منطقة باب المندب يكشف عن تراجع ملموس في مستوى التهديدات، أو على الأقل عن نجاح الإجراءات الأمنية في ضمان ملاحة مستقرة. وهذه الشهادة العملية ربما تكون أكثر تأثيراً من أي تصريحات سياسية، لأنها تأتي من جهة تشغيلية مباشرة تعتمد مصالحها على دقة تقييم المخاطر.
رغم ذلك، تبقى عودة الحركة إلى مستوياتها الطبيعية رهناً بتطورات الوضع الأمني في البحر الأحمر. فالمعادلة معقدة وتخضع لتداخلات إقليمية ودولية، وتحتاج القناة إلى استمرار العمل الدبلوماسي والفني مع الخطوط الملاحية الكبرى لتثبيت العودة. لكن المؤشرات الحالية تبدو إيجابية، ولا سيما مع عبور 38 سفينة اليوم بإجمالي حمولات صافية تقترب من 1.7 مليون طن، وهو رقم يعكس مرونة الممر الملاحي وقدرته على التعافي السريع.
تؤكد عودة السفن العملاقة لعبور قناة السويس أن القناة ما تزال المحور الأساسي للتجارة البحرية العالمية، وأن أي اضطراب مؤقت في المنطقة لا يلغى بنيتها التحتية المتقدمة ولا موقعها الفريد. بل على العكس، فإن الأزمات قد تعزز في بعض الأحيان من مكانتها، لأنها تكشف الحاجة المستمرة إلى ممر ثابت وآمن وقادر على تلبية احتياجات السفن العملاقة. ومع تحسن المؤشرات الأمنية، يبدو أن الأفق مفتوح أمام القناة لاستعادة نشاطها الكامل، مدعومة بسياسات تشغيلية مرنة، وتطوير مستمر للبنية التحتية، وتواصل فعّال مع الشركاء العالميين.






