تكشف الشهادات المروعة التي وثقها الطاقم القانوني لهيئة شؤون الأسرى والمحررين من داخل سجن مجدو، عن ملامح واضحة لسياسة إسرائيلية ممنهجة تمارس أشكالًا متعمدة من التعذيب والإهمال الطبي بحق الأسرى الفلسطينيين، وهي ممارسات ترقى إلى جرائم حرب وفقًا للقانون الدولي الإنساني.
إهمال طبي متعمد
التقرير الذي تضمن شهادات لثلاثة أسرى من محافظة جنين، لا يُظهر فقط نماذج فردية للمعاناة، بل يسلط الضوء على نمط سلوكي ثابت يُستخدم فيه القمع الجسدي والنفسي كوسيلة عقاب، سواء في لحظة الاعتقال أو أثناء الاحتجاز. فالإصابات التي يتعرض لها المعتقلون، سواء برصاص الجنود أو خلال عمليات الضرب الممنهج، تقابل بإهمال طبي متعمد، يترافق مع تقييد الوصول إلى العلاج أو تقديمه بشكل متقطع وغير كافٍ، مما يؤدي إلى تدهور الحالة الصحية للأسير بشكل خطير.
قضية الأسير ورد دار شريف، الذي أُصيب برصاص الاحتلال في شريان رئيسي بقدمه وخضع لعمليات زراعة جلد قبل أن يُحرم من العلاج الطبيعي الضروري، تكشف بوضوح كيف يتحول الإهمال الطبي إلى أداة لإطالة الألم وزيادة الإعاقة. ورغم خطورة إصابته، فإن إدارة السجن ترفض توفير الحد الأدنى من الرعاية الصحية، ما يشير إلى وجود قرار غير معلن بجعل المعاناة مستمرة ومتصاعدة.
اعتقال تعسفي
أما حالة عبد الرحمن زيود، المعتقل إداريًا دون توجيه أي تهمة، فتوضح الجانب العبثي من الاعتقال التعسفي، حيث يتم احتجاز فلسطينيين دون محاكمة وتركهم فريسة لأمراض الجلد المعدية مثل “السكايبوس” نتيجة سوء التهوية والنظافة، في ظل استهتار تام بتوفير العلاج المنتظم. ما يعزز هذا الانطباع هو تكرار الشكوى من الحصول على الأدوية بشكل متقطع، وكأن الهدف هو إبقاء الأسير على حافة المرض لا الشفاء.
في المقابل، يشير ما حدث مع الأسير حسان نجي إلى أن المعاناة ليست فقط نتيجة ظروف الاحتجاز، بل تبدأ من لحظة الاعتقال، حيث يُحتجز لساعات أو أيام في معسكرات مؤقتة كـ”حوارة”، ويتعرض فيها لسوء المعاملة، ثم يُنقل إلى سجون تفتقر إلى أدنى شروط الرعاية الصحية. فمعاناته من أمراض مثل الجرب والفتق، وفقدانه الوزن، وإصابته بحالات استفراغ دائم، دليل على بيئة صحية كارثية تفتقر حتى للاستجابة الطارئة، ما يؤدي إلى تدهور شامل في بنية الأسرى الجسدية والنفسية.
تعذيب الأسرى الفلسطينيين
يؤكد هذا الواقع أن الاحتلال يستخدم منظومة السجون كساحة موازية لميدان القتال، حيث تُمارس أشكال القمع خارج إطار القانون، في ظل غياب رقابة دولية حقيقية على سجون الاحتلال، وتواطؤ من جانب المؤسسات المعنية التي تكتفي بالتوثيق دون ممارسة الضغط الفعلي. ويبدو أن تعذيب الأسرى الفلسطينيين، وحرمانهم من العلاج، وتحويل الاعتقال إلى أداة للانتقام الجسدي، ليست مجرد خروقات فردية، بل سياسة رسمية تستند إلى قناعة بأن الكلفة الإنسانية يمكن تجاهلها في ظل تراجع المحاسبة الدولية.
ومع استمرار هذه الممارسات، يصبح الصمت الدولي بمثابة شراكة ضمنية في سياسة “الإعدام البطيء” التي تُمارس داخل الزنازين المغلقة، حيث تُدفن حقوق الإنسان في زنازين لا تصلها كاميرات الرقابة، ولا تقترب منها لجان التفتيش.




