مع تصاعد التوتر العسكري في العاصمة الليبية طرابلس، أطلقت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تحذيراتها، ووصفت ما يجري بأنه تطور خطير يهدد السلم والأمن في البلاد.
بينما فشلت المحادثات الأخيرة في إبعاد شبح الاقتتال، واصلت قوات مسلحة من الطرفين حشد قواتها نحو العاصمة، في مشهد ينذر باندلاع مواجهات وشيكة.
اشتباكات رغم الهدنة
على الرغم من إعلان هدنة سابقة، شهدت أحياء طرابلس مناوشات متقطعة بين القوات الموالية لحكومة الوحدة الوطنية و”جهاز الردع ومكافحة الجريمة” التابع للمجلس الرئاسي. السكان المحليون عبروا عن مخاوفهم من عودة الاقتتال، خصوصاً مع الانتشار الكثيف للمسلحين داخل الأحياء السكنية، ما يعرض حياة المدنيين لمخاطر جسيمة.
في بيانها، أعربت البعثة الأممية عن قلق بالغ من استمرار التحشيد العسكري وانتشار الأسلحة الثقيلة حول العاصمة، مؤكدة أن أي استخدام للقوة قد يؤدي إلى “مواجهات عنيفة ويعرض المدنيين للخطر”.
كما شددت على ضرورة التزام جميع الأطراف بالقانون الدولي ومحاسبة المسؤولين عن أي هجمات تستهدف المدنيين أو البنية التحتية.
أرتال عسكرية تتحرك نحو طرابلس
وتصاعد التوتر أكثر مع تحرك أرتال عسكرية ضخمة من مصراتة باتجاه طرابلس، تضم عشرات العربات المزوّدة بالأسلحة المتوسطة والثقيلة. كما رُصدت تحركات مماثلة في بوابة الدافنية، بينما شوهدت قوات أخرى تخرج من قاعدة الوطية باتجاه العاصمة.
وأثارت هذه التحركات مخاوف حقيقية من اندلاع حرب شاملة داخل طرابلس في الساعات القادمة.
حكومة الدبيبة وخطة تفكيك الجماعات
رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، كان قد أصدر في مايو الماضي قراراً بتفكيك ما سماها “الجماعات المسلحة غير النظامية”، في محاولة لاستعادة سيطرة الدولة على المؤسسات السيادية.
غير أن جهاز الردع، أحد أقوى المجموعات المسلحة في الغرب الليبي، رفض تسليم مواقعه، وواصل فرض نفوذه على مواقع استراتيجية أبرزها مجمع معيتيقة الذي يضم المطار والقاعدة الجوية والسجن المركزي.
ويرى المحلل السياسي الليبي محمد الرعيش أن “سيناريو اندلاع حرب في العاصمة بات الأقرب”، مشيراً إلى أن جهاز الردع يتمسك بمواقعه ويرفض أي اتفاق يقلص من نفوذه. وأضاف أن تحركات القوات الموالية لحكومة الوحدة الوطنية “تحظى بدعم دولي وغطاء أممي” لإزاحة الجهاز من المشهد العسكري، وفتح الباب أمام ترتيبات سياسية جديدة.
جهاز الردع يرفض الاستسلام
وبحسب وسائل إعلام محلية، رفض جهاز الردع إنذارات تطالبه بتسليم مقرات سيطرته خلال 48 ساعة. ويحتفظ الجهاز بسلطة كبيرة على مؤسسات حيوية، منها المستشفى العسكري، إلى جانب سجناء بارزين من رموز نظام معمر القذافي وعناصر متهمة بالإرهاب.
وزاد هذا الرفض من احتمالات التصعيد، وسط تحذيرات من انزلاق العاصمة إلى دوامة دماء جديدة.
جمود سياسي يعمّق الأزمة
وتتزامن التطورات الميدانية مع انسداد سياسي متواصل، حيث فشلت جهود التوافق بين الأطراف المتصارعة حول ترتيبات المرحلة المقبلة. ورغم ضغوط أممية ودولية متزايدة، لا تزال لغة السلاح هي المسيطرة، في وقت يترقب فيه الشارع الليبي ما ستؤول إليه الأوضاع وسط مخاوف من انفجار شامل يعيد البلاد إلى مربع الفوضى.
بحسب الخبراء، لا تقف الأزمة الليبية عند حدود الداخل، إذ تتباين مواقف القوى الإقليمية تجاه الصراع في طرابلس، فبعض الدول تدعم بقاء حكومة الوحدة كخيار وحيد لتجنب الفوضى، فيما ترى أطراف أخرى أن إنهاء نفوذ الميليشيات شرط أساسي لاستقرار البلاد، ويعقد هذا الانقسام جهود الأمم المتحدة في تقريب وجهات النظر.
ووسط كل هذه التوترات، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف. تقارير إنسانية حذرت من احتمال نزوح آلاف الأسر إذا اندلعت المواجهات، مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع الخدمات في العاصمة، كما عبرت منظمات حقوقية عن مخاوفها من استخدام المرافق الحيوية، مثل المستشفيات والمدارس، كمواقع عسكرية.
وحذر خبراء اقتصاديون من أن أي تصعيد عسكري في طرابلس قد ينعكس مباشرة على قطاع النفط، شريان الاقتصاد الليبي. فإغلاق الحقول أو الموانئ النفطية ليس مستبعداً في حال تمددت المعارك، وهو ما قد يحرم الدولة من مصدر دخلها الرئيسي، ويزيد الأزمة الاقتصادية تفاقماً.
ورغم البيانات المتكررة، يرى مراقبون أن موقف المجتمع الدولي ما يزال محصوراً في التحذيرات، دون خطوات عملية رادعة. الدعوات لفرض عقوبات على معرقلي الاستقرار لم تترجم حتى الآن إلى قرارات ملموسة، ما يعطي الأطراف المسلحة مساحة أكبر للمناورة على الأرض.






