في مشهد غير مألوف لمن اعتاد رؤية الحقول الخضراء في محافظة النجف جنوب العراق، باتت الأراضي الزراعية اليوم ترسم لوحة من القحط والتصحر، مع تصاعد أزمة المياه التي دفعت السلطات إلى اتخاذ قرارات قاسية، أبرزها حظر الزراعة الصيفية وزراعة الرز، ما دفع كثيراً من المزارعين إلى هجر أراضيهم ومغادرتها مضطرين، بحثًا عن مصدر رزق آخر أو حياة أقل قسوة.
من أرض خصبة إلى صحراء صامتة: المزارعون بلا أمل
بينما يسير المزارع حيدر العذاري على أطراف حقول كانت خصبة يومًا ما، لا يجد أمامه سوى أتربة متشققة وأنقاض قنوات مائية جفّت منذ شهور. يقول بأسى: “كنا نزرع 200 دونم، اليوم بالكاد نزرع 80″، في إشارة إلى تقلص المساحة المزروعة بفعل الجفاف المستمر.
ويروي كيف بدأ بعض أصحاب الأراضي، خاصة أولئك القريبين من المدينة، ببيع أراضيهم الزراعية، بعد أن فقدوا الأمل في موسم ناجح أو دعم حكومي فعّال. ويتساءل: “أين نذهب؟ ماذا نفعل؟” في تكرار لصوت مألوف في أوساط آلاف المزارعين العراقيين.
أزمة المياه في العراق: الجفاف وسوء الإدارة يتصدران المشهد
تعاني النجف، مثل العديد من المحافظات العراقية، من أزمة مياه متفاقمة تتغذى من عدة عوامل مترابطة: التغير المناخي، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع منسوب نهري دجلة والفرات، بالإضافة إلى سوء إدارة الموارد المائية على المستوى المحلي والوطني.
ويقول مدير الموارد المائية في النجف، شاكر فايز، إن المحافظة اتخذت ثلاثة قرارات صارمة خلال هذا الموسم الصيفي، بناء على توجيهات اللجنة الوطنية للمياه: منع الزراعة الصيفية بشكل كامل، حظر زراعة الرز، ومنع التجاوزات الزراعية غير المرخصة، وهي إجراءات تهدف إلى الحفاظ على الحد الأدنى من المياه المتوفرة، لكنها في الوقت ذاته تعني المزيد من المعاناة لآلاف العائلات التي تعتمد على الزراعة كمصدر رزق أساسي.
النزوح الزراعي: وجه جديد للهجرة داخل العراق
تحذر منظمات دولية من أن ندرة المياه في العراق بدأت بالفعل في دفع السكان إلى النزوح الداخلي، خاصة من المناطق الزراعية إلى المدن، ما يخلق ضغطًا إضافيًا على البنية التحتية الحضرية.
وذكر المجلس النرويجي للاجئين في تقريره لعام 2023 أن آلاف العائلات الزراعية اضطرت إلى مغادرة قراها بعد أن باتت المياه عملة نادرة، والقنوات الجافة لا توصل شيئًا سوى الخيبة.
أزمة المياه تهدد التراث الزراعي العراقي
لم تكن النجف وحدها المتضررة، لكن كونها إحدى المحافظات التي لطالما عُرفت بخصوبة أراضيها وتاريخها الزراعي، فإن ما يحدث فيها يُنظر إليه كمؤشر خطير على ما قد ينتظر باقي مناطق العراق.
ورغم وجود بعض المبادرات المحلية للحفاظ على التراث الزراعي، إلا أنها محدودة النطاق، وتفتقر إلى الدعم المالي والتقني اللازم للتأثير الحقيقي.
المزارعون في مواجهة مصير مجهول
في غياب خطة وطنية شاملة لإدارة أزمة المياه، ومع تزايد تأثير التغير المناخي عامًا بعد عام، يواجه المزارع العراقي اليوم معادلة مستحيلة: أرض لا تزرع، وماء لا يُسقى، ودولة لا تستطيع أن توفر بدائل حقيقية.
وهكذا، تُترك الحقول لمصيرها، والمزارعون لأقدارهم، في وقت يحتاج فيه العراق إلى إعادة صياغة كاملة لسياساته المائية والزراعية، قبل أن تتحول خريطته الزراعية إلى مجرد ذكرى من الماضي.







