شهدت مدينة الحسكة، شمال شرقي سوريا، تطورًا لافتًا في مشهد السيطرة الميدانية، مع دخول قوات الحكومة السورية إلى المدينة بموجب اتفاق جرى تنفيذه بسرعة مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، في خطوة وُصفت بأنها تمهيدية لإعادة ترتيب الأوضاع الأمنية وضمان الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق الجزيرة السورية حساسية.
دخول القوات الحكومية
وبحسب مصادر صحفية، فإن دخول القوات الحكومية تم في بدايته بسلاسة، حيث وصل نحو مئة عنصر برفقة قوات الأمن الداخلي، دون تسجيل أي اشتباكات تُذكر.
وأكد نائب قائد الأمن العام في محافظة الحسكة أن العملية جرت دون إشكاليات أمنية، مشيرًا إلى أن الوجود الحكومي مؤقت ويرتبط بإنجاز مهمة محددة قبل انسحاب القوات.
في هذا السياق، كشف منسق اتحاد قبائل سوريا الوطنية، سامي الحمش، عن تفاصيل الدور الذي لعبته القبائل في تسهيل تنفيذ الاتفاق، موضحًا أن التفاهمات القبلية جاءت ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى حماية السكان، وتهيئة الأرضية لعودة مؤسسات الدولة، وضمان استقرار المناطق العربية في شمال شرقي البلاد، وذلك بحسب “سكاي نيوز”.
إفساح المجال للدولة
وأكد الحمش أن القبائل اختارت إفساح المجال أمام الدولة للقيام بواجباتها دون تدخل عشائري مباشر، مشددًا على أن دور القبائل اقتصر على المؤازرة عند الحاجة فقط، وأعرب عن أمله في أن تشكل هذه التفاهمات بداية لمسار أوسع يفضي إلى حلول شاملة تحفظ الدماء وتراعي مصالح السكان.
وفي الوقت نفسه، أشار الحمش إلى وقوع ممارسات وصفها بـ”المسيئة” رافقت دخول قوات الأمن العام، من اعتقالات وإصابات في صفوف المدنيين، معتبرًا أن ما جرى لاحقًا من إطلاق نار عشوائي وإهانات دفع الأهالي للتفكير بتنظيم مظاهرات احتجاجية، لا سيما في منطقة اليعربية، للتنديد بهذه التصرفات.
التحالف القبلي وترتيبات الأرض
وشدد الحمش على أن اتحاد القبائل لا يمثل ذراعًا للدولة السورية، بل هو تحالف يضم بيوتًا قبلية عريقة ومشايخ رئيسيين، ويتمتع بقدرة تنظيمية تمكّنه من استعادة مناطقه عند الضرورة، موضحا أن التحالف التزم بعدم التقدم إلى مناطق طلبت الدولة عدم التوغل فيها، احترامًا للترتيبات المحلية القائمة مع قوات “قسد”.
كما نفى أن يكون الصراع ذا طابع عرقي، مؤكدًا مشاركة مشايخ أكراد في التحالف القبلي، ومشيرًا إلى أن المخاوف المنتشرة بين بعض السكان من ارتكاب انتهاكات تعود إلى حملات دعاية غذّت شعور المظلومية على مدى سنوات، وهو ما تحاول الدولة تفكيكه عبر التمهل والتروي في تدخلها.
التعاون مع الدولة والتحديات المقبلة
وأكد الحمش الترحيب الكامل بعودة مؤسسات الدولة، مشيرًا إلى أن القبائل “مهّدت الطريق للدولة، والدولة بدورها مهدت الطريق للحياة والاستقرار”، مشددا على أن غالبية السوريين، من عرب وكرد وأشوريين وأيزيديين، يرحبون بعودة سيطرة الدولة، انطلاقًا من تجربة مريرة مع الفوضى والحرمان، لا سيما في القرى المحيطة بمناطق النفط التي تعاني أوضاعًا معيشية قاسية.
وفي ختام حديثه، حذر الحمش من محاولات تقوم بها جهات وصفها بالمرتزقة وفلول النظام السابق لإفشال الاتفاقات، مؤكدًا أن القبائل تمكنت من إلقاء القبض على بعض هذه العناصر، تمهيدًا لتسليمهم إلى الدولة ومحاكمتهم، في إطار السعي لحماية الاستقرار ومنع انزلاق المنطقة مجددًا إلى دوامة الفوضى.
تقاسم النفوذ في الحسكة
جدير بالذكر أن محافظة الحسكة واحدة من أكثر المناطق تعقيدًا في المشهد السوري، نظرًا لتداخل مكوناتها العرقية والقبلية، ووجود قوى متعددة تتقاسم النفوذ فيها منذ سنوات، وخلال فترة النزاع، خضعت أجزاء واسعة من المحافظة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، بدعم من التحالف الدولي، ما أوجد واقعًا إداريًا وأمنيًا منفصلًا عن سلطة الدولة السورية.
وخلال الشهور الأخيرة، تصاعدت الجهود لإعادة ترتيب الأوضاع في شمال شرقي سوريا، عبر تفاهمات سياسية وأمنية بين دمشق و”قسد”، شملت ملفات الانتشار الأمني، وإدارة المؤسسات، وضمان عدم الانزلاق إلى مواجهات عسكرية، وتزامن ذلك مع تحركات إقليمية ودولية ضاغطة لدفع الأطراف المحلية نحو حلول تقلل من حدة التوتر وتضمن استقرار المناطق الحدودية.
وفي هذا السياق، برز الدور القبلي كعامل مؤثر في تثبيت التفاهمات على الأرض، خاصة في المناطق ذات الغالبية العربية، حيث لعبت العشائر دور الوسيط والضامن الاجتماعي، مستفيدة من ثقلها الشعبي وقدرتها على احتواء الاحتقان، بما يسهم في تهيئة البيئة المناسبة لعودة مؤسسات الدولة والحفاظ على السلم الأهلي في المحافظة.







