أعلن المتحدث العسكري باسم جماعة الحوثيين، مساء الأحد، تنفيذ هجوم جوي بأربع طائرات مسيّرة باتجاه جنوب إسرائيل.
وأوضح أن ثلاثاً منها استهدفت مطار رامون في مدينة إيلات، بينما اتجهت الرابعة نحو هدف عسكري في منطقة النقب. ودوّت صفارات الإنذار في إيلات للتحذير من احتمال تسلل مسيّرات معادية، ما أثار حالة من القلق بين السكان.
في المقابل، اكتفى الجيش الإسرائيلي بالقول إنه “يبحث في التفاصيل” دون تقديم معلومات دقيقة حول حجم الأضرار أو الخسائر.
الدفاعات الإسرائيلية تعترض.. والتصعيد يتكرر
مصادر عسكرية إسرائيلية أكدت أن منظومة “القبة الحديدية” تصدت في وقت سابق الأحد لطائرة مسيّرة أُطلقت من اليمن قرب مطار رامون.
ويأتي ذلك في إطار سلسلة متصاعدة من المحاولات الحوثية لاستهداف مواقع داخل العمق الإسرائيلي، ضمن ما تعتبره الجماعة “دعماً للقضية الفلسطينية”.
هذا التصعيد يطرح تساؤلات حول فعالية الدفاعات الجوية الإسرائيلية في التعامل مع تهديدات عابرة للحدود تمتد من اليمن حتى أقصى الجنوب الإسرائيلي.
البُعد الإقليمي: رسالة أبعد من حدود غزة
يرى مراقبون أن الحوثيين يسعون عبر هذه الهجمات إلى ترسيخ موقعهم كفاعل إقليمي في الصراع العربي–الإسرائيلي، ونقل المواجهة إلى مسرح أوسع يتجاوز غزة ولبنان.
ويرجح خبراء أن اختيار مطار رامون تحديداً يحمل أبعاداً رمزية، كونه البديل لمطار بن غوريون في حالات الطوارئ، فضلاً عن موقعه الاستراتيجي القريب من الحدود الأردنية والمصرية.
إسرائيل بين الردع والحذر من فتح جبهة جديدة
التقديرات في تل أبيب تشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية حريصة على تجنّب فتح جبهة مباشرة مع الحوثيين، في ظل انشغالها بعملياتها في غزة وتوترها المستمر مع حزب الله في الشمال.
لكن في الوقت نفسه، تُدرك إسرائيل أن تجاهل الهجمات الحوثية المتكررة قد يُفقدها صورة “القوة الرادعة”، ما يضعها أمام معضلة استراتيجية بين الردّ القوي أو الاكتفاء بالدفاعات الجوية.
المخاوف الدولية: تهديد الملاحة والحدود الإقليمية
التحركات الحوثية الأخيرة لا تقتصر على البُعد العسكري المباشر، بل تحمل انعكاسات على أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الذي يُعد شرياناً حيوياً للتجارة العالمية.
ويرى محللون أن التصعيد الحوثي نحو إسرائيل يهدف أيضاً إلى تعزيز أوراق التفاوض مع القوى الدولية، مستغلين هشاشة الوضع الإقليمي والتشابكات القائمة بين الحرب في غزة والتوتر مع إيران.
يرى الخبير في الشؤون العسكرية والإستراتيجية اللواء محمود عبد العاطي أن الهجوم الحوثي الأخير على إيلات والنقب يأتي في إطار “محاولة الجماعة لتكريس نفسها كجزء من محور المقاومة في مواجهة إسرائيل”.
ويشير إلى أن الحوثيين يبعثون برسالة بأنهم لم يعودوا محصورين في حدود اليمن، بل أصبحوا فاعلاً يمتلك القدرة على التأثير في ملفات إقليمية تتجاوز مسرحهم التقليدي.
إسرائيل أمام معضلة الردع وتعدد الجبهات
يؤكد الباحث في شؤون الأمن القومي الدكتور شمعون بن دافيد أن تل أبيب تجد نفسها أمام معضلة حقيقية، إذ تواجه تهديدات متزامنة من غزة ولبنان واليمن. ويضيف أن “إسرائيل تدرك أن الرد المباشر على الحوثيين قد يفتح جبهة جديدة مع إيران عبر وكلائها، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تظهر بمظهر العاجز أمام الرأي العام الداخلي”.
يوضح أستاذ العلاقات الدولية الدكتور أحمد فؤاد أن استهداف مطار رامون يحمل دلالات رمزية أبعد من مجرد دعم القضية الفلسطينية.
ويشير إلى أن الحوثيين يحاولون “توسيع مساحة الضغط على إسرائيل وحلفائها الغربيين عبر ضرب مراكز اقتصادية وسياحية حساسة، في وقت تسعى فيه تل أبيب لترويج صورة الاستقرار لجذب الاستثمارات”.
إيران المستفيد الأول
يرى الباحث الإيراني السابق في شؤون الشرق الأوسط الدكتور كريم رضائي أن طهران تقف في موقع “المستفيد الأكبر” من هذه الضربات، إذ إنها تعزز نفوذها الإقليمي من خلال أذرعها المختلفة دون الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة. ويضيف أن “الهجمات الحوثية تتيح لإيران رفع سقف التهديد من دون دفع ثمن مباشر”.
ويشدد الخبير الاقتصادي المتخصص في قضايا النقل البحري الدكتور محمود الكيلاني على أن تصاعد الهجمات الحوثية ضد إسرائيل يرتبط بشكل غير مباشر بملف الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
ويقول إن “أي تصعيد طويل الأمد سيؤثر على ثقة شركات الشحن العالمية في المرور عبر المنطقة، ما ينعكس سلباً على التجارة الدولية ويزيد من كلفة النقل والتأمين”.







