بعد شهور طويلة من المعارك التي حولت الخرطوم إلى ساحة حرب مفتوحة، أعلنت السلطات السودانية عن خروج 98% من القوات المقاتلة من العاصمة، في خطوة وُصفت بأنها بداية مرحلة جديدة لإعادة ترتيب الوضع الأمني والخدمي.
وبينما تعهد المسؤولون بعودة الكهرباء والمياه وإطلاق خطط لإعادة التخطيط العمراني، تبقى المخاطر الأمنية حاضرة، وسط تساؤلات حول قدرة الدولة على ترجمة هذه الوعود إلى واقع ملموس.
عودة تدريجية للحياة وسط هواجس أمنية
أكد عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر أن القوات المسلحة التزمت منذ البداية بقرار إخلاء الخرطوم، موضحاً أن الشرطة أصبحت هي الجهة المسؤولة عن تأمين العاصمة من خلال انتشارها في 13 معبراً رئيسياً.
وأضاف أن هذه الخطوة تأتي ضمن جهود الدولة لإعادة الحياة تدريجياً، بعد أن أثرت الحرب بشكل كبير على الأوضاع الأمنية والخدمية.
الشرطة تتولى الأمن وسط تحذيرات من التفلتات
أوضح والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة أن المخاطر الأمنية لا تزال قائمة، محذراً من التفلتات الناتجة عن إطلاق سراح نحو 13 ألف سجين من سجني «كوبر» و«الهدى» على يد قوات الدعم السريع.
وأكد أن بعض هؤلاء انخرطوا في صفوف القتال، فيما شكّل آخرون شبكات إجرامية متنكرة في زي القوات النظامية، وهو ما يضاعف من صعوبة المشهد الأمني.
من جانبه، دعا وزير الدفاع حسن داود كبرون المواطنين والأجانب إلى حمل المستندات الثبوتية، معلناً عن إعادة 2626 لاجئاً إلى بلدانهم وتخصيص معسكرات لإيواء البقية.
فيما أعلن وزير الداخلية الفريق شرطة بابكر سمرة صدور قرار بوقف تسجيل أي لاجئ جديد بعد الحرب، في خطوة تهدف لتخفيف الأعباء الأمنية والخدمية الملقاة على عاتق الدولة.
الكهرباء والمياه تعود.. وتحذيرات من الأوبئة
أكد الفريق جابر أن إنتاج الكهرباء المتاح بلغ 1850 ميغاواط، مقابل حاجة حالية لا تتجاوز 1200 ميغاواط، مشيراً إلى عودة المحطات النيلية الـ12 إلى العمل.
ودعا المواطنين إلى العودة لمنازلهم وتنظيفها، محذراً من خطورة المياه الراكدة في البيوت المهجورة التي تسببت في انتشار الحشرات والأمراض.
شدد مجلس السيادة على ضرورة إزالة العشوائيات وإيجاد بدائل تحفظ كرامة المواطنين، رافضاً أي تسييس لهذا الملف على أسس عرقية أو مناطقية.
كما كشف الأمين العام للمجلس، الفريق محمد الغالي، عن خطة لإعادة تخطيط وسط الخرطوم عبر المجلس الاستشاري، تشمل تخصيص مقار بديلة للوزارات، باستثناء الصحة والداخلية اللتين ستبقيان مؤقتاً في مقارهما.
تحديات مالية أمام إعادة الإعمار
أقر جابر بأن إعادة تأهيل المباني الحكومية تحتاج إلى موارد مالية ضخمة، مؤكداً أن الأولوية ينبغي أن تُمنح لدعم خدمات الصحة والتعليم، في ظل محدودية الإمكانات الاقتصادية وتعدد أولويات إعادة البناء.
وأكد خبراء أن خروج القوات المقاتلة من الخرطوم قد يُنظر إليه كخطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة الثقة وتهدئة الأوضاع، لكنه قد يكون مجرد إجراء تكتيكي مؤقت، في ظل استمرار وجود جماعات مسلحة قد تهدد الأمن.
وأوضح الخبراء أن رغم انتشار الشرطة، يبقى التحدي الأمني قائماً مع الإفراج عن آلاف السجناء، ما يفرض على الدولة تعزيز قدراتها الشرطية والاستخباراتية لمنع تمدد الجريمة المنظمة.
كما أكدوا أن وقف تسجيل لاجئين جدد يقلل من الضغط على البنية التحتية، لكنه يثير تساؤلات حقوقية حول التزامات السودان الإنسانية، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية المحيطة.
وتمثل عودة الكهرباء والمياه خطوة مهمة في مسار إعادة الخدمات، لكن البنية الصحية والتعليمية لا تزال تواجه أزمات كبيرة، وهو ما يتطلب رؤية شاملة لمعالجة الخلل.
ووفقا للخبراء، فإن إعادة تخطيط وسط الخرطوم قد تمثل فرصة لتطوير العاصمة بشكل حضاري حديث، لكنها مرهونة بقدرة السودان على جذب استثمارات وشراكات خارجية، في ظل العجز المالي المحلي.







