تشهد منطقة الشرق الأوسط، تحولات سياسية متسارعة في ظل المتغيرات الإقليمية وتداخل الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية في المنطقة، إذ تكثف دول الخليج مشاوراتها الدبلوماسية بهدف توحيد الرؤى وتنسيق المواقف إزاء القضايا الملحة. وتأتي المباحثات الخليجية المستمرة، وفي مقدمتها اللقاءات السعودية – العُمانية، ضمن مسار استراتيجي يسعى إلى متابعة تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، وتعزيز الاستقرار، ودعم الحلول السلمية.
وجاءت مباحثات سلطان عُمان هيثم بن طارق، مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، الذي يزور مسقط، إنعكاسًا للتطورات الإقليمية والدولية، لبحث التطورات والملفات الهامة. وأفادت وكالة أنباء عُمان: “تناولت المقابلة آفاق التعاون بين البلدين في مختلف المجالات، في ضوء اجتماعات مجلس التنسيق العُماني – السعودي وجهوده الرامية إلى تعزيز متانة العلاقات الثنائية وترسيخ المصالح المشتركة، تجسيدًا للتوجيهات السامية والرعاية السديدة لعاهلي البلدين الشقيقين”.
تطوير العلاقات التجارية وتحفيز الاستثمار
وتطرق الأمير فيصل بن فرحان، خلال المقابلة، إلى التطورات الجارية على الساحتين الإقليمية والدولية ورؤية السعودية تجاهها، بينما استمع إلى رؤية السلطان هيثم في هذا الشأن، وفقًا للوكالة العمانية. وترأس وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ونظيره العماني بدر البوسعيدي، الاجتماع الثالث لمجلس التنسيق السعودي – العُماني في العاصمة العمانية مسقط، بمشاركة رؤساء اللجان المنبثقة ورئيسي فريق الأمانة العامة للمجلس.
إلى ذلك، شدد وزير الخارجية السعودي على أهمية تطوير العلاقات التجارية وتحفيز الاستثمار والتعاون بين القطاعين الحكومي والخاص. وأشاد بتوقيع محضر تسهيل الاعتراف المتبادل بقواعد المنشأ بين البلدين، والاكتفاء بشهادة المنشأ الصادرة من الجهات المعنية، وإطلاق مبادرات المرحلة الثانية من التكامل الصناعي بين البلدين الشقيقين، مما يعكس متانة الروابط الاقتصادية.
في المقابل، نوّه وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي إلى التقدم “النوعي في العلاقات الثنائية”، فضلاً عن تطور قطاعات تحقيق التكامل الاقتصادي، وتعزيز التجارة البينية، والاستثمارات المشتركة، وتعميق التعاون الأمني والعدلي، والثقافي، والسياحي. وأشار إلى التعاون المتطور والمتواصل في النواحي السياسية والتشاور والتنسيق إزاء القضايا الإقليمية والدولية.
إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا
في المقابل، جدد مجلس الوزراء السعودي برئاسة الملك سلمان بن عبد العزيز التأكيد على ما توليه السياسة الخارجية للمملكة من أهمية قصوى لتوطيد الأمن والاستقرار الإقليميين، وحل النزاعات سلمياً، وتقديم المساعدات، وتعزيز الحوار بين الثقافات، ودعم المنظمات الدولية، إلى جانب توفير الظروف الداعمة للتنمية في المنطقة والعالم.
ورحب الوزراء السعودي برئاسة الملك سلمان بقرار أميركا إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا، مثمناً الدور الإيجابي للرئيس الأميركي دونالد ترامب في هذا الإطار بدءًا بإعلانه ذلك عبر زيارته السعودية، وانتهاءً بتوقيعه القانون المتضمن إلغاء “قانون قيصر”.
تطور العلاقات بين أوروبا والخليج
وحسب المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب، تحرص دول الخليج والاتحاد الأوروبي على تقوية العلاقات، لكن هناك عدة تحديات تهدد هذه الشراكة وتعيق من توسعها، ويعد النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط في مقدمة التحديات. خسائر إيران خلال أعوام 2023 و2024 و2025 لنفوذها في سوريا ولبنان واليمن، لا يعني تراجع دورها بالمنطقة، خاصة وأنها تمتلك برامج صاروخية وتسعى لامتلاك أسلحة نووية. حذرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 2024، من أن تخصيب اليورانيوم في إيران تتسارع وتيرته، حيث فتحت طهران نقاشاً داخلياً حول ضرورة تطوير الأسلحة النووية.
عادت الهجمات الإسرائيلية على محافظة درعا السورية، في مارس 2025، ما تسبب في سقوط ضحايا، وبررت إسرائيل هذه الهجمات بأنها رداً على تعرض قواتها لإطلاق نار من مسلحين. وظهرت رواية بأن عناصر تابعة لإيران، تقف وراء هذه الهجمات وتسعى لإنشاء خلايا جديدة في الجنوب السوري. ويرى خبراء أنه في حالة محاولة إيران لإعادة تموضعها بسوريا مرة أخرى، ستلجأ إلى المنطقة القريبة من الحدود السورية العراقية والسورية اللبنانية، خاصة وأن هناك عناصر تابعة للحرس الثوري الإيراني ونظام الأسد، فرت للبنان والعراق.أمن دولي ـ تهديدات ترامب .. ماذا عن الرد الإيراني والموقف الأوروبي؟ملف
مواجهة التحديات الجيوسياسية والاقتصادية
تدرك أوروبا أهمية التعاون الاقتصادي مع دول الخليج، وتعد ألمانيا نموذجاً لهذا التعاون، وعقدت شركة “كوفسترو” أكبر شركة كيمياويات بألمانيا صفقة مع شركة “أدنوك” الإماراتية بقيمة (16) مليار دولار في أكتوبر 2024. ونظراً لأن دول الخليج تعد أكبر سادس سوق تصدير للاتحاد الأوروبي، ويعد الاتحاد الشريك التجاري الثاني لمجلس التعاون الخليجي، بحسب اتفاقية التعاون التي تعود إلى 1988، لذا تدشن دول الاتحاد حوارات منتظمة مع دول الخليج، لمناقشة تغير المناخ والطاقة والبيئة والملفات الاقتصادية. وبلغت المبادلات التجارية بين دول التكتل الأوروبي والسعودية (80) مليار دولار، بوجود (1300) شركة أوروبية مستثمرة في قطاعات الاقتصاد السعودي.
شدد الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لمنطقة الخليج لويجي دي مايو، على النقلة النوعية التي تشهدها العلاقات الأوروبية الخليجية، لمواجهة التحديات الجيوسياسية والاقتصادية مثل حرب أوكرانيا والتصعيد في فلسطين ولبنان. تعد دول الخليج أحد أهم مراكز الطاقة من النفط والغاز عالمياً، وبالمثل تمثل دول الاتحاد الأوروبي شريكاً مهماً استراتيجياً للخليج، بالاستفادة من تجارب الصناعات العسكرية والتكنولوجية.







