في مشهد يعكس هشاشة المعادلة الأمنية في شمال سوريا، دفعت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مدينة الرقة وريفها، وسط توتر متصاعد ينذر بإمكانية اندلاع مواجهات مفتوحة مع قوات موالية للنظام السوري في المناطق الجنوبية من المحافظة. التحركات التي بدأت فجر الأربعاء أثارت قلق السكان المحليين، لا سيما مع تصاعد الاستنفار الأمني وازدياد مؤشرات الاحتكاك العسكري.
شهود عيان أشاروا إلى وصول أرتال من وحدات حماية الشعب (YPG) وعناصر “الأسايش” إلى مقرات رئيسية في وسط المدينة، بالتزامن مع تكثيف الدوريات في أحياء المشلب والصناعة ومحيط دوار الساعة، في حين تم نشر آليات ثقيلة ونقاط تفتيش جديدة على مداخل المدينة من جهتي الجنوب والغرب.
استعراضات في قلب المدينة وإطلاق نار غامض
التحركات العسكرية لم تقتصر على الجانب التنظيمي، بل شملت أيضًا مظاهر استعراض للقوة في الشوارع، أبرزها ما جرى في دوار النعيم، أحد أبرز معالم مدينة الرقة، حيث دخلت وحدات من “قسد” وسط إطلاق نار لم تتضح أسبابه، بحسب روايات شهود. وقد نشر “المرصد السوري لحقوق الإنسان” تسجيلات مصورة لما وصفه بـ”الاستعراض العسكري” لقوات سوريا الديمقراطية في وسط المدينة، في مشهد أعاد إلى الأذهان صور السيطرة العسكرية المشددة التي عرفتها الرقة بعد دحر تنظيم الدولة الإسلامية.
وفي ظل هذا المشهد الأمني المشحون، عمدت “قسد” إلى تعزيز وجودها في دواري النعيم والساعة، بالإضافة إلى إقامة حواجز إضافية في عدة أحياء، ما عزز الشعور العام بأن الرقة مقبلة على مرحلة غير مستقرة.
توتر مع النظام واحتمال مواجهة جنوبية
ما يجري داخل المدينة لا ينفصل عن التحركات الموازية التي تشهدها مناطق الجنوب، حيث تزايد التوتر بين قوات “قسد” وعناصر موالية للنظام السوري تتمركز في بادية الرقة. المصادر المحلية تحدثت عن استنفار متبادل على تخوم خطوط التماس، وسط توقعات باندلاع اشتباكات، في حال استمرت التحركات العسكرية دون اتفاقات تهدئة أو تنسيق ميداني.
ويأتي هذا التوتر في وقت تتزايد فيه الشكوك حول إمكانية احتواء أي تصعيد عسكري في مناطق تخضع لتداخلات نفوذ إقليمية ودولية، لا سيما مع غياب دور فعّال لقوى الرقابة الدولية أو حتى تفاهمات مستقرة بين “قسد” والنظام السوري بشأن تقاسم النفوذ جنوب المحافظة.
أزمات معيشية تُفاقم الاحتقان الشعبي
في موازاة التصعيد العسكري، تعيش الرقة على وقع أزمة معيشية خانقة. إذ تشهد المحافظة احتجاجات متفرقة في عدد من القرى والأحياء، تغذيها ظروف اقتصادية متدهورة، وانقطاعات متكررة للكهرباء والمياه، ما يُضاعف من حدة التوتر الشعبي ويُضيف بعدًا اجتماعيًا إلى المعادلة الأمنية المتأزمة.
هذه الأوضاع تفتح الباب أمام احتمال توسع دائرة الغضب الشعبي، ليس فقط ضد الإدارة الذاتية، بل أيضًا في وجه الجهات كافة التي تمارس النفوذ الميداني على حساب الخدمات الأساسية.
المشهد مفتوح على سيناريوهات معقدة
التحركات الأخيرة في الرقة تعيد إلى الواجهة هشاشة ترتيبات ما بعد “داعش”، وتؤكد أن الاستقرار الظاهري في شمال وشرق سوريا لا يستند إلى بنية سياسية أو أمنية راسخة. ومع غياب أفق واضح لحل سياسي شامل يضمن التمثيل المحلي والاستقرار الإقليمي، تبقى الرقة – كما مناطق أخرى في سوريا – عرضة للانفجار في أي لحظة.
ويبقى السؤال المطروح: هل تمهد هذه التحركات لصدام فعلي مع قوات النظام، أم أنها مجرّد استعراض قوة في إطار رسائل سياسية متبادلة ضمن صراع النفوذ السوري المعقد؟






