تتعرض الأراضي الفلسطينية، ولا سيما في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، لتصعيد ممنهج من اعتداءات ميليشيات المستوطنين، يستهدف الإنسان والأرض ومقومات الصمود الاقتصادي، وفي مقدمتها شجرة الزيتون. فمنذ فجر يوم الإثنين، شهدت مناطق واسعة اقتحامات وتخريبًا للمزارع، واعتداءات على ممتلكات المواطنين، جرت في سياق ميداني متكرر يوفر فيه الاحتلال غطاءً أمنيًا لتحركات المستوطنين، بما يعكس سياسة متكاملة تهدف إلى فرض وقائع استيطانية جديدة وتقويض الوجود الفلسطيني، خصوصًا في المناطق المصنفة “ج”.
ولا يمكن فصل هذه الاعتداءات عن الاستهداف التاريخي والممنهج لشجرة الزيتون، التي تمثل ركيزة اقتصادية ورمزًا للهوية والصمود الفلسطيني. إذ يعتمد عشرات آلاف الفلسطينيين، كليًا أو جزئيًا، على موسم قطف الزيتون كمصدر دخل أساسي، في وقت يفرض فيه الاحتلال قيودًا قاسية على الوصول إلى الأراضي الزراعية، ويُمعن في تخريب الأشجار ومنع الحصاد، ما ألحق خسائر اقتصادية فادحة، وفاقم من هشاشة الأمن الغذائي. وفي ظل حرب الإبادة المستمرة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تتخذ هذه السياسات بعدًا أكثر خطورة، إذ تتقاطع الاعتداءات الاستيطانية مع الحصار والعنف العسكري لتشكّل معًا أداة فعالة لتهجير المزارعين وتجفيف مصادر رزقهم، ضمن مشروع أوسع لتهويد الأرض وضمها.
فرض واقع استيطاني لتهويد الأراضي
المستوطنون قاموا بقطع وتخريب عشرات أشتال الزيتون في أراضي المواطنين بالمنطقة، وإلقاء قطع حديدية ومسامير بشكل متعمد في الطرق والأراضي الزراعية المحيطة، بهدف إعطاب إطارات مركبات المواطنين المارة ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم. وفي نابلس أيضًا، أفاد شهود عيان برصد تحركات استفزازية للمستوطنين في محيط بلدة قُصرة جنوب نابلس، وتحديداً في منطقة رأس العين. حسب تصريحات مصادر محلية لوكالة صفا.
ويتخوف المواطنون من محاولات لفرض واقع استيطاني جديد أو إنشاء بؤر رعوية في تلك المنطقة التي تتعرض لانتهاكات متكررة. وتزامنت هذه الاعتداءات مع اقتحام قوات الاحتلال للمنطقة الشرقية في مدينة نابلس، حيث داهمت عدداً من المنازل، مما وفر غطاءً لتحركات المستوطنين في القرى المجاورة. وفي القدس المحتلة، أفادت مصادر محلية بوقوع مناوشات واعتداءات لفظية ومحاولات ترهيب قام بها مستوطنون يقطنون في البؤر الاستيطانية داخل حي الشيخ جراح.
يخطط الاحتلال لتهويد الأراضي وقضم الضفة الغربية وضمها والسيطرة على ما يسمى المنطقة “ج” بحسب اتفاقية أوسلو – والتي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية – لا يخفي تركيز حقده ضد شجرة الزيتون وأصحابها. فمنذ السابع من أكتوبر 2023، وفي ظل حرب الإبادة والتطهير العرقي في قطاع غزة والضفة الغربية.
أرقام تكشف أهمية أشجار الزيتون
عكّر الاحتلال صفو موسمَي قطف زيتون متتاليَن، موسم العام 2023 وموسم العام 2024، إذ تعتاش قرابة الـ 100 ألف عائلة في الضفة وقطاع غزة، كلياً أو جزئياً، على موسم قطف الزيتون، من خلال بيع زيت الزيتون الذي يُعتبر مصدر دخل لهم. وخلال هذين الموسمين قُتل 29 فلسطينياً بدم بارد داخل حقول زيتونهم على يد ميليشيات المستعمرين المسلحة والمدعومة حكومياً، تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي. حسب مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
تبلغ المساحة الكليّة للأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة 6,025,000 دونم (1 هكتار = 10 دونم)، منها نحو 1,138,522 دونماً مساحة الأراضي المزروعة، أي 18.9% من إجمالي المساحة الكلية، إذ تبلغ المساحة المزروعة في الضفة الغربية 1,048,833 دونماً (18.5% من مساحة الضفة، و17.4% من المساحة الكلية للأراضي الفلسطينية المحتلة). بينما بلغت المساحة المزروعة بأشجار البستنة في الضفة الغربية 640,860 دونماً (61.1% من إجمالي المساحة المزروعة)، وبلغت المساحات المزروعة بأشجار الزيتون 575,167 دونماً، أي 85% من إجمالي المساحات المزروعة بأشجار البستنة.
وعلى امتداد سنوات الاحتلال شكلت شجرة الزيتون عنوان وجود وصمود. فمن أجل حماية الأرض من غول الاستعمار، ومن سياسة الاحتلال بصورة عامة، أخذ الفلسطينيون يتوسعون في زراعة شجرة الزيتون، وخصوصاً في السنوات الأخيرة بعد انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية)؛ فقد كانت مساحة الأراضي المزروعة بالزيتون عام 2010 نحو 462,824 دونماً، منها نحو 21,509 في قطاع غزة، وأصبحت في العام 2021 نحو 575,167 دونماً، منها 33,633 دونماً في قطاع غزة.
تأثير العداون على الاقتصاد الفلسطيني
يُشكّل قطف الزيتون في الضفة الغربية ركيزة أساسية في الاقتصاد الفلسطيني، وهو من أهم مصادر الدخل بالنسبة إلى عشرات آلاف العائلات. وتفيد تقديرات البنك الدولي ومركز التجارة الفلسطيني بأن محصول الزيتون في المواسم الجيدة يدرّ على الاقتصاد الفلسطيني عائدات تبلغ نحو 200 مليون دولار، لكن الاحتلال الإسرائيلي يفرض على القطاف في كل موسم قيوداً مشددة، رسمية وغير رسميّة؛ فنحو 50% من المزارعين الفلسطينيين لم يتمكنوا من قطف الثمار عن أشجارهم. حسب مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
تشكل صناعة زيت الزيتون 25% من الدخل الزراعي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وتساهم في سبل العيش لما يقارب من 96,510 أُسر. ويبلغ الناتج الإجمالي لموسم 2023، المنخفض أصلاً بسبب تغير المناخ والتقلبات الجوية وتبادل الحمل لدى شجرة الزيتون، نحو 12,000 طن من الزيت، بانخفاض كبير قدره 67% عن العام 2022 (36,000 طن) حين كان الإنتاج أكثر حملاً. وهذه الكمية لا تكفي لتغطية الاستهلاك السنوي للزيت في فلسطين، إذ تحتاج السوق المحلية الفلسطينية عادة إلى ما يقارب 18,000 طن زيت زيتون باستهلاك سنوي يقدّر من 3 إلى 3.5 كيلوغرامات للفرد الواحد، والباقي يتم تصديره إلى السوق الخارجية، وخصوصاً إلى البلدان العربية. حسب وزارة الزراعة الفلسطينية.
وكان من المتوقع أن يتم إنتاج ما يقارب 1500 إلى 2000 طن من زيت الزيتون في قطاع غزة وحدها، لكن بسبب العدوان الإسرائيلي لم يستطع مزارعو القطاع قطف ثمار الزيتون في الأراضي الزراعية نظراً إلى خطورة الأمر، والقصف اليومي المستمر، وانقطاع الكهرباء والماء، ومنع دخول الوقود، الأمر الذي منع تشغيل معاصر الزيتون البالغ عددها 40 معصرة في قطاع غزة.
رصد أممي للمساحة المزروعة من الأشجار
كان إنتاج الزيتون لعام 2023 في المنطقة التي يفصلها الجدار أقل بنسبة 93% مقارنة بالإنتاج في المناطق التي يمكن الوصول إليها. وفي المتوسط، شهدت الفترة الواقعة بين عامي 2011 و2022 انخفاضاً بنسبة 74%، في حين شهدت الفترة الواقعة بين عامي 2010 و2022 انخفاضاً بنسبة 60%. وفقاً لما رصده مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في شمال الضفة الغربية.
وبناء على هذه التحديات لم يستطيع المزارعون الفلسطينيون في 90 تجمعاً فلسطينياً تقريباً، ويملكون أراضيَ في محيط 56 مستوطنة إسرائيلية وبؤرة استيطانية، الوصول إلى أراضيهم إلاّ من خلال التنسيق المسبق مع سلطات الاحتلال الإسرائيلية، ولعدد محدود من الأيام خلال مواسم الحصاد والحرث، تبلغ مساحة الأراضي الفلسطينية المزروعة بأشجار الزيتون والواقعة غرب جدار الفصل العنصري الإسرائيلي حوالي 87,962 دونماً، والتي تساوي تقريباً 15.3% من مساحة الأراضي الفلسطينية الزراعية المزروعة بأشجار الزيتون في فلسطين، بحسب إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. (التعداد الزراعي 2021).







