يُمثّل قرار الكنيست الإسرائيلي الأخير، الداعي إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية المحتلة وغور الأردن، تصعيداً خطيراً في سياق المشروع الاستيطاني الاستعماري، وتحولاً إضافياً نحو إلغاء أي احتمال واقعي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. رغم أن القرار لا يحمل صفة الإلزام القانوني، فإن رمزيته السياسية بالغة التأثير، كونه يعكس إرادة سياسية واضحة داخل المؤسسة التشريعية الإسرائيلية للمضي قدماً في مخطط الضم الفعلي وتثبيت وقائع الاحتلال.
وزارة الخارجية الفلسطينية وصفت القرار بأنه «عنصري استعماري» و«إعلان حرب»، معتبرة إياه امتداداً لسياسات الإبادة الجماعية والتهجير القسري، ومؤشراً على التوجه الرسمي لدولة الاحتلال نحو تصفية القضية الفلسطينية، وإلغاء إمكانية تجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض بعاصمتها القدس الشرقية. هذا التوصيف يتسق مع التحولات الميدانية التي شهدتها الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة، من تسارع في التوسع الاستيطاني، وهدم المنازل، وعمليات التهجير القسري، وفرض الوقائع بالقوة في المناطق المصنفة (ج).
اعتراف إسرائيلي رسمي
البيان الفلسطيني الرسمي أشار إلى أن القرار هو بمثابة «اعتراف إسرائيلي رسمي» بأن الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من قتل وضم وتشريد، ليست مجرد أفعال فردية أو ممارسات ميدانية معزولة، وإنما تنطلق من رؤية سياسية ممنهجة تهدف إلى القضاء على الكيان الفلسطيني الموحد، وتعميق الانقسام الجغرافي والديموغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وتبرز هذه النقطة تحديداً في ضوء ما وصفته الخارجية الفلسطينية بأنه «تكريس للفصل بين الضفة والقطاع»، ما يعني استكمال مشروع تفتيت الهوية السياسية والجغرافية الفلسطينية.
في السياق ذاته، جاءت تصريحات حسين الشيخ نائب الرئيس الفلسطيني، لتؤكد على أن القرار بمثابة «اعتداء مباشر» على حقوق الشعب الفلسطيني، معبّراً عن الموقف الرسمي للقيادة الفلسطينية التي باتت ترى أن مخاطبة إسرائيل بالمناشدات والمطالبات لم تعد ذات جدوى. هذا الإقرار بفشل الدبلوماسية التقليدية في التأثير على السياسات الإسرائيلية يعكس أيضاً فقدان الثقة في المجتمع الدولي وقدرته على فرض إجراءات رادعة أو مساءلة فعلية تجاه الانتهاكات المتصاعدة.
رفض فكرة الدولة الفلسطينية
أما من الجانب الإسرائيلي، فقد حاز التصويت على دعم لافت من الائتلاف الحاكم بزعامة بنيامين نتنياهو، وبدعم نواب من المعارضة، في تجلٍّ جديد للإجماع الإسرائيلي شبه الكامل حول رفض فكرة الدولة الفلسطينية، وتبني خطاب «الحق التاريخي» في «يهودا والسامرة» (الاسم التوراتي الذي تستخدمه إسرائيل للإشارة إلى الضفة الغربية). ويكشف هذا التوافق عن تعمّق الفكر الصهيوني القومي في بنية الدولة الإسرائيلية، واتساع نطاق النفوذ اليميني الديني القومي، حتى في أوساط ما كان يُعدّ سابقاً معارضة علمانية أو وسطية.
القرار في جوهره ليس مجرد نص رمزي، بل يُستخدم كأداة سياسية لتقنين الضم الزاحف، وإعادة تشكيل التصور القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة في الوعي الإسرائيلي والدولي على حد سواء. فإسرائيل، التي رفضت دوماً الاعتراف بأن وجودها في الضفة الغربية هو احتلال بالمعنى القانوني، تسعى من خلال هذه الخطوات إلى نزع الصفة القانونية عن الاحتلال، وإحلال مفهوم السيادة «الطبيعية والتاريخية» وفق رؤيتها، بدلاً من الالتزام بالقرارات الدولية التي تُدين الاحتلال وتدعو إلى إنهائه.
مؤشر استراتيجي
في ضوء ذلك، يتعزز الاعتقاد بأن الحكومة الإسرائيلية تسير بخطى ثابتة نحو إنهاء أي مسار تفاوضي أو حل سياسي قائم على مبدأ حل الدولتين. كما أن صمت المجتمع الدولي، أو اكتفائه بالإدانات اللفظية دون إجراءات عملية، بات يشجع إسرائيل على المضي في هذه السياسات دون خشية من تبعات حقيقية. ومن هذا المنطلق، تأتي دعوة الخارجية الفلسطينية للمجتمع الدولي بضرورة اتخاذ إجراءات «رادعة» تجبر إسرائيل على وقف انتهاكاتها، غير أن التجارب السابقة تترك شكوكاً عميقة في إمكانية تحقق ذلك، في ظل اختلال موازين القوى، واستمرار الدعم السياسي والعسكري الأميركي غير المشروط لإسرائيل.
هذا القرار يُنظر إليه ليس فقط كمحطة تصعيد، بل كمؤشر استراتيجي على توجهات المرحلة المقبلة، والتي ستكون أكثر صعوبة على المشروع الوطني الفلسطيني، في ظل استمرار الانقسام الداخلي، وتآكل الأفق السياسي، وغياب الإرادة الدولية الجادة لتطبيق قرارات الشرعية الدولية.







