تشهد الساحة اليمنية، حالة من الصراع السياسي والعسكري المتسارع، في ظل حالة الانقصام التي يشهدها اليمن، بسبب انقلاب مليشيا الحوثي المدعوم من إيران، ومحاولة السيطرة على مفاصل الدولة. وفشلت كافة المسارات التفاوضية، وتزايدت التعقيدات على كافة المستويات داخل صنعاء، لذلك عاد الحديث بقوة داخل مؤسسات الشرعية اليمنية، حول أهمية ترتيب البيت الداخلي، وإغلاق الملفات العالقة، وتجاوز الخلافات التي ظلت لسنوات تُضعف الجبهات وتمنح الميليشيا الحوثية فرص التقدم وتعزيز نفوذها.
التصريحات التي أدلى بها عدد من أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، وفي مقدمتهم العميد الركن طارق محمد عبد الله صالح، والشيخ سلطان العرادة، طالبت بعقد لقاءات موسعة مع قيادات سياسية وعسكرية وبرلمانية، نظرا لخطورة المرحلة المقبلة التي تفرض مستوى أعلى من الاصطفاف الوطني لاستعادة الدولة من قبضة الحوثي.
إعادة صياغة المشهد اليمني
التحركات الجارية، تبرز وجود رغبة حقيقية في تحسين موقع الشرعية على طاولة التفاوض، عبر تعزيز الجبهة الداخلية وإظهار قدرة مؤسسات الدولة على تجاوز الخلافات، والتركيز على الدور المحوري لتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، وعلى ضرورة الالتزام بمبادئ الشراكة الوطنية، ما يعكس وجود محاولة جادة لإعادة صياغة المشهد اليمني وفق أولويات المرحلة.
وفي لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، مع رئيس مجلس النواب سلطان البركاني وعدد من أعضاء المجلس، عرض صالح رؤية المقاومة الوطنية ومقاربتها للمعركة ضد الجماعة الحوثية، شددا على ضرورة إطار وطني لا يقوم على أي اعتبارات حزبية أو مناطقية، وأن معيار الانضمام إليها هو الإيمان بأولوية قتال الميليشيات واستعادة مؤسسات الدولة. حسب الشرق الأوسط.
وأكدا على أهمية توحيد الجهود في مواجهة الانقلاب الحوثي وتسريع خطوات استعادة الدولة وتحرير العاصمة المختطفة صنعاء، مع ضرورة إنهاء الخلافات البينية وإغلاق الملفات العالقة، وذلك قبيل انطلاق جولة مفاوضات جديدة بين الحكومة والحوثيين بشأن الأسرى والمحتجزين برعاية دولية.
حشد الجهود لهزيمة الانقلاب
واستعرض صالح خلال اللقاء عدداً من مشاريع وبرامج المقاومة الوطنية في الساحل الغربي، مؤكداً أنها موجّهة لخدمة المواطنين في كل المناطق دون تمييز. كما شدد على أن الانقسامات بين القوى المناهضة للحوثيين تُضعف الجبهات وتمنح الميليشيا مساحات للتقدم، محذراً من انعكاساتها السلبية على معنويات المقاتلين.
وأشار صالح إلى أن توحيد مسرح العمليات العسكرية يمثّل حجر الزاوية في أي تحرك لاستعادة صنعاء، مجدداً تأكيده أن استعادة الجمهورية مرهونة بهزيمة الحوثيين. كما دعا مجلس النواب إلى مضاعفة الجهود بما يخدم المصلحة الوطنية العليا ويعزّز الثقة الإقليمية والدولية بالقوى الشرعية.
وفي لقاء آخر جمع طارق صالح بعدد من أمناء عموم وممثلي الأحزاب السياسية، أكد عضو مجلس القيادة أن المرحلة الراهنة تتطلّب حشد الجهود وتوحيد المعركة شمالاً لهزيمة الانقلاب وتحرير العاصمة المختطفة صنعاء. وأشار صالح إلى أن التباينات بين القوى الوطنية أمر طبيعي، لكنها لا تلغي وجود هدف جامع هو «قتال الحوثي واستعادة الدولة»، مؤكداً أن المجلس الانتقالي الجنوبي شريك في هذه المعركة منذ الحرب الأولى في صعدة، وأن تضحيات أبناء الجنوب في جبال مرّان تشكّل شاهداً حياً على دورهم الوطني.
تجنب الصراعات الجانبية
وشدد صالح على ضرورة تهيئة البيئة المناسبة للمعركة القادمة، لافتاً إلى أن «دول التحالف لدعم الشرعية قدّمت الكثير من الدعم، وإذا أردنا دعماً إضافياً فعلينا أن نوحّد جهودنا نحو صنعاء». وأعاد تأكيد أن المقاومة الوطنية لن تنشغل عن هدفها في مواجهة الحوثي، ولن تعود إلى «تحرير المحرر»، في إشارة إلى عدم الدخول في صراعات جانبية.
كما عبّر عن تقديره للأحزاب والمكونات السياسية، وعدّ حضورهم دليلاً على «وعي متقدم بأهمية اللحظة الوطنية وضرورة التكاتف في مواجهة المشروع الإيراني».
وأكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، سلطان العرادة، خلال لقائه رئيس هيئة الأركان العامة الفريق الركن صغير بن عزيز، ووكلاء محافظة مأرب، وعدداً من القيادات العسكرية والأمنية، أن ما تمر به البلاد اليوم هو «نتيجة طبيعية لانقلاب ميليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني»، مشدداً على أن كل الإشكالات ستتلاشى بمجرد استعادة مؤسسات الدولة.
وقال العرادة إن القوات المسلحة والأمن يشكّلان «عماد الاستقرار والتحرير»، وإن مجلس القيادة يقدّر تضحيات منتسبي المؤسستَين ويتابع قضاياهم بشكل دائم. ودعا إلى تجاوز المشكلات الآنية والخلافات الجانبية وإرث الماضي، مؤكداً أن القضية الوطنية الكبرى هي استعادة العاصمة المختطفة صنعاء.
وأضاف مخاطباً القيادات العسكرية: «الناس يعلّقون عليكم آمالاً كبيرة… فاحملوا الراية لتحرير البلاد»، مشدداً على استعداد الجميع للتضحية في سبيل إنهاء الانقلاب واستعادة المجد للشعب اليمني. كما شدد على أن اليمن «لن يستعيد مكانته إلا بالتخلص من الميليشيا الحوثية الإيرانية»، معبّراً عن امتنانه لتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية.
توحيد الصف داخل الأوساط السياسية اليمنية
وفي سياق آخر، أعلنت السلطات اليمنية في محافظة مأرب عن تسليم 26 جثماناً من قتلى الحوثيين الذين قُتلوا في جبهات مأرب والجوف، بعد التعرف عليهم من قبل الجماعة. وأوضح العميد يحيى كزمان أن العملية تمت «بوصفها مبادرة من طرف واحد لدواعٍ إنسانية»، وبإشراف من لجنة الصليب الأحمر الدولية، وبتنسيق مع رئاسة هيئة الأركان العامة والجهات المعنية. وفقا لوكالات الأنباء.
وأكد كزمان، وهو عضو الفريق الحكومي المفاوض، أن الحكومة تسعى من خلال هذه الخطوة إلى إظهار حسن النية قبل جولة المفاوضات المرتقبة، وتهيئة الأجواء للانتقال إلى قاعدة «الكل مقابل الكل» في ملف المحتجزين والمختطفين والمخفيين قسراً. وأن المبادرة جاءت بناءً على توجيهات عليا ضمن جهود تهدف إلى إغلاق هذا الملف الإنساني الذي يفاقم معاناة آلاف الأسر اليمنية.
وتعكس تلك التصريحات، وجود رغبة قوية، لتوحيد الصف داخل الأوساط السياسية اليمنية، ومحاولة استعادة السيطرة على مؤسسات الدولة، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل تستطيع القيادة اليمنية استعادة زمام الأمور، والقضاء على حكم جماعة الحوثي؟







