أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، مرسوماً يقضي بالمصادقة على النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب (البرلمان)، في خطوة تُعد أولية على طريق التحضير لإجراء انتخابات مرتقبة الشهر المقبل. ووفقاً للمرسوم، تبدأ الإجراءات العملية لتطبيق النظام اعتباراً من اليوم، بإشراف اللجنة العليا للانتخابات.
تقسيم الدوائر الانتخابية إلى 62 دائرة
وأوضح رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، محمد الأحمد، أن النظام الجديد اعتمد تقسيم البلاد إلى 62 دائرة انتخابية، ستجري فيها عمليات الترشح والتصويت والفرز. وأشار إلى أن اللجنة ستباشر منذ الغد استقبال مقترحات عضوية الهيئات الناخبة في مختلف الدوائر، تمهيداً لانطلاق السباق الانتخابي.
الأحمد لفت إلى أن الانتخابات التشريعية من المتوقع أن تجرى بين 15 و20 سبتمبر (أيلول) المقبل، مؤكداً أن العملية الانتخابية ستتضمن مراحل متعددة تبدأ بالترشح، مروراً بالحملات الانتخابية، وصولاً إلى يوم الاقتراع وإعلان النتائج الرسمية.
جدل حول الطابع “المؤقت” للنظام الانتخابي
ورغم أن المرسوم أتاح إطلاق العملية، فإن وصفه بـ«المؤقت» أثار تساؤلات في الأوساط السياسية السورية. فبينما يرى بعض المراقبين أنه خطوة تجريبية نحو تطوير صيغة انتخابية أكثر استقراراً، يعتقد آخرون أن المؤقتية قد تعكس استمرار غياب توافق داخلي حول الشكل النهائي للنظام السياسي في البلاد.
قوى المعارضة، من جانبها، اعتبرت أن النظام المؤقت يفتقر إلى الضمانات الحقيقية لنزاهة الانتخابات، مشيرة إلى أن غياب البيئة الآمنة والمحايدة سيجعل العملية محصورة في إطار ضيق.
كما شددت أطراف معارضة في الخارج على أن أي انتخابات لا تأتي ضمن إطار الحل السياسي الشامل وتنفيذ القرار الأممي 2254 لن تحظى بالشرعية الكاملة.
المجتمع الدولي يترقب
في المقابل، تتابع الأمم المتحدة والدول الكبرى هذه التطورات بحذر، فواشنطن والاتحاد الأوروبي سبق أن أكدا أن أي عملية انتخابية في سوريا يجب أن تتم تحت إشراف أممي، بما يضمن مشاركة جميع السوريين داخل البلاد وخارجها. أما موسكو وطهران، فترى في هذه الخطوة محاولة من الحكومة لإظهار جدية في الإصلاح السياسي رغم استمرار الخلافات الجوهرية.
على المستوى الإقليمي، لقي المرسوم ترحيباً حذراً من بعض الدول العربية التي تسعى لإعادة دمج دمشق في محيطها، في حين شددت أطراف أخرى على أن إجراء الانتخابات دون مصالحة وطنية حقيقية سيكرس الانقسام الداخلي. وتخشى أطراف عربية من أن يؤدي غياب توافق شامل إلى إطالة أمد الأزمة بدلاً من حلها.
الشارع السوري بين الأمل والشكوك
على الأرض، تتباين آراء السوريين حيال هذه الخطوة. فبينما يرى البعض أن إطلاق الانتخابات قد يمنح المواطنين فرصة للتعبير والمشاركة السياسية ولو بحدود معينة، يعتبر آخرون أن هذه العملية شكلية ولن تغيّر من الواقع الاقتصادي والمعيشي الصعب الذي يواجهونه يومياً.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه الأزمة السورية تراوح مكانها بعد أكثر من عقد من الحرب. فالمفاوضات الأممية المتعثرة، والانقسامات الداخلية، والتجاذبات الإقليمية والدولية، كلها تجعل من أي انتخابات، سواء مؤقتة أو دائمة، جزءاً من مشهد سياسي معقد يصعب حسمه بخطوة منفردة.
اختبار أمام المعارضة والمجتمع الدولي
ويرى مراقبون أن هذه الانتخابات ستشكل اختباراً جدياً لمدى جدية الحكومة السورية في الانفتاح السياسي، خصوصاً في ظل الضغوط الأممية والدولية المتزايدة لتنفيذ القرار 2254، والدفع نحو عملية انتقال سياسي شاملة بقيادة سورية.
إضافة إلى التحديات السياسية، يُتوقع أن تواجه اللجنة العليا للانتخابات صعوبات لوجستية وأمنية في بعض المناطق، بسبب الأوضاع الميدانية والتهجير الواسع للسكان خلال السنوات الماضية. ويطرح ذلك تساؤلات حول نسب المشاركة، ومدى شمولية الانتخابات لجميع السوريين.
مسار جديد أم خطوة شكلية؟
في ظل غياب معايير واضحة تضمن التعددية السياسية، يثير هذا التطور جدلاً واسعاً: هل ستكون هذه الانتخابات مقدمة لمسار سياسي أوسع يفتح الباب أمام إصلاحات دستورية حقيقية، أم مجرد خطوة شكلية لإعادة إنتاج مؤسسات الدولة بصيغة جديدة دون تغيير جوهري؟






