في كل مرة يرتفع فيها منسوب التوتر العسكري في الشرق الأوسط، لا تبقى التداعيات محصورة في الجغرافيا السياسية، بل تنتقل سريعًا إلى الأسواق العالمية، حيث تتحول الأخبار القادمة من المنطقة إلى إشارات خطر تُعيد تشكيل قرارات المستثمرين والشركات والدول المستوردة للطاقة.
التحركات الأميركية الأخيرة وما يرافقها من استعدادات عسكرية واسعة النطاق تعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا متجددًا: كيف تُترجم احتمالات الحرب إلى أرقام في البورصات، وأسعار في محطات الوقود، وتوقعات في تقارير النمو؟
حين تتقدم السياسة على الاقتصاد
الاقتصاد العالمي شديد الحساسية لأي توتر يطال طرق الطاقة والتجارة. الشرق الأوسط ليس مجرد مسرح نزاعات، بل عقدة أساسية في شبكة إمدادات النفط والغاز. مجرد الإشارة إلى احتمال اضطراب في الملاحة عبر المضائق الحيوية كافية لرفع علاوة المخاطر على أسعار النفط، حتى قبل وقوع أي مواجهة فعلية.
في مثل هذه الأجواء، تتسع فجوة القلق بين المنتجين والمستهلكين: المنتجون يراهنون على ارتفاع الأسعار، فيما تتحسب الدول المستوردة لسيناريو تضخم مستورد يضغط على موازناتها ويعيد إشعال موجات الغلاء.
الذهب والدولار في لحظات القلق
عندما يعلو صوت المدافع – أو حتى حين يقترب – تميل رؤوس الأموال إلى البحث عن الملاذات الآمنة. الذهب يستعيد مكانته التاريخية كأصل تحوّطي في مواجهة المجهول، ويكفي تصاعد الخطاب العسكري ليحرّك الطلب عليه.
في المقابل، يستفيد الدولار غالبًا من موجات القلق بوصفه عملة الاحتياط الأولى عالميًا، فتتجه إليه السيولة هربًا من تقلبات الأسواق الناشئة. هذا التحول في التدفقات المالية لا يعكس بالضرورة حربًا واقعة، بقدر ما يعكس توقّعات المستثمرين لما قد يحدث إذا تحولت الاستعدادات العسكرية إلى مواجهة ممتدة.
أثر التوتر على الاقتصادات الكبرى
التداعيات لا تتوزع بالتساوي. الاقتصادات الصناعية الكبرى التي تعتمد على واردات الطاقة، وفي مقدمتها الصين ودول أوروبية، تكون أكثر عرضة لتقلبات الأسعار. ارتفاع كلفة الطاقة يضغط على هوامش الربح في الصناعة والنقل، ويؤثر في تنافسية الصادرات، ويُبطئ وتيرة التعافي الاقتصادي.
في المقابل، قد تستفيد دول منتجة للطاقة من ارتفاع الأسعار على المدى القصير، لكن هذا المكسب يبقى هشًا إذا ما أدى التصعيد إلى اضطرابات أمنية تطال منشآتها أو طرق تصديرها.
دروس من أزمات سابقة
التاريخ القريب يقدم نماذج واضحة لكيفية تفاعل الأسواق مع التوترات في الشرق الأوسط. في أزمات سابقة، قفزت أسعار النفط فور تصاعد المخاوف على أمن الإمدادات، حتى في غياب تعطيل فعلي للإنتاج.
البورصات تراجعت في الأيام الأولى تحت وطأة القلق، قبل أن تستعيد بعض توازنها مع اتضاح حدود التصعيد. هذه السوابق تُظهر أن الاقتصاد غالبًا ما يتفاعل مع “توقع الحرب” بحدة أكبر من تفاعله مع الحرب نفسها إذا كانت محدودة زمنيًا وجغرافيًا. الفارق اليوم أن أي مواجهة محتملة تبدو أكثر قابلية للتمدد، ما يجعل أثرها الاقتصادي المتوقع أعمق وأطول أمدًا.
الأسواق بين الترقب وإعادة التسعير
الأسواق المالية لا تنتظر وقوع الحدث لتعيد حساباتها. الترقب ذاته يتحول إلى عامل تسعير. شركات الشحن والتأمين ترفع أقساط المخاطر، المستثمرون يعيدون توزيع محافظهم، والدول تعيد النظر في احتياطاتها الاستراتيجية من الطاقة.
هذا السلوك الجماعي يخلق حلقة تأثير متبادل: التوتر يرفع الأسعار، وارتفاع الأسعار يعمّق القلق من تباطؤ اقتصادي، ما يضغط بدوره على الأسواق ويغذي مزيدًا من التحوّط.
في هذه اللحظة، يبدو الاقتصاد العالمي عالقًا بين سيناريوهين: تصعيد محدود يظل أثره في إطار تقلبات مؤقتة يمكن للأسواق امتصاصها، أو مواجهة أوسع تُدخل الاقتصاد العالمي في مرحلة عدم يقين أطول، تُعاد فيها صياغة سلاسل الإمداد، وتُختبر فيها قدرة الدول على حماية استقرارها المالي في عالم تتشابك فيه السياسة بالاقتصاد على نحو يصعب فصلهما.







