رغم مرور أكثر من عقد على اندلاع الصراع السوري، ما تزال البلاد تعيش في حالة من التوتر الجغرافي والسياسي والاجتماعي، تغذيها شبكة معقدة من التدخلات الإقليمية والدولية، والانقسامات الطائفية والإثنية، والانهيار المؤسسي العميق.
ضمن هذا السياق المتداخل، برزت الطائفة الدرزية كلاعب محوري ومثير للجدل، ليس بسبب حجمها العددي أو قوتها العسكرية، بل بسبب موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وتركيبتها الاجتماعية، والعلاقات العابرة للحدود التي تربطها بإسرائيل ولبنان، ومع إعلان تعثر اتفاق “خارطة طريق السويداء” بين سوريا وإسرائيل، عادت الطائفة الدرزية لتتصدر الواجهة، باعتبارها حجر عثرة أمام أي محاولة لإرساء الاستقرار السياسي في دمشق.
◄ الطائفة الدرزية.. أقلية ذات ثقل إستراتيجي
يشكل الدروز في سوريا أقلية دينية تُقدّر بنحو 3% من السكان، يتمركز معظمهم في محافظة السويداء جنوبي البلاد، إلا أن ما يمنح هذه الطائفة وزنا يتجاوز حجمها العددي هو موقعها الجغرافي الحساس على تخوم الحدود مع إسرائيل والأردن، وعلى تماس مباشر مع مناطق نفوذ قوى معارضة ومليشيات متعددة الولاءات، كما أن الطائفة تتمتع بدرجة عالية من التماسك الداخلي والانضباط المجتمعي، ما جعلها قادرة على الحفاظ على هامش من الاستقلال الذاتي خلال سنوات الحرب، في وقت انهارت فيه البنى المجتمعية في معظم المناطق الأخرى.
تاريخيًا، تجنب الدروز الانخراط المباشر في الصراع المسلح إلى جانب أي من الأطراف الكبرى، سواء النظام أو المعارضة، وفضلوا اعتماد سياسة “النأي بالنفس”، مع الاحتفاظ بقدرة محدودة على الدفاع الذاتي. لكن هذا الحياد النسبي لم يكن دون ثمن، فقد تعرضت مناطقهم بين الحين والآخر لهجمات من تنظيمات متطرفة كداعش، أو لضغوط من النظام السوري وحلفائه، ما دفعهم إلى البحث عن شبكات حماية جديدة، من ضمنها إسرائيل.
◄ تقاطع المصالح.. دروز سوريا وإسرائيل
ترتبط الطائفة الدرزية في سوريا بعلاقات عاطفية وعائلية مع الدروز داخل إسرائيل، الذين يُقدّر عددهم بأكثر من 100 ألف مواطن. هذا الامتداد العابر للحدود منح إسرائيل فرصة لاستخدام ملف الدروز السوريين كورقة سياسية داخلية وخارجية، خاصة في ظل حرص تل أبيب على إبراز نفسها كحامية للأقليات في منطقة يهيمن عليها العنف الطائفي والعرقي، من هنا جاء إصرار إسرائيل – وفق ما كشفته صحيفة واشنطن تايمز – على إدراج بند “ممر إنساني” إلى محافظة السويداء ضمن اتفاق خارطة الطريق مع سوريا، وهو الطلب الذي فجّر الاتفاق في لحظاته الأخيرة.
إسرائيل، كما توضح التقارير، لم تكن تتحرك فقط من منطلق إنساني أو أمني، بل كانت تسعى لإرضاء جمهورها الدرزي الداخلي، وإظهار التزامها بالدفاع عن مصالح هذه الطائفة خارج حدودها، لكن هذا الطلب قوبل برفض سوري قاطع، ليس فقط لأنه يُعدّ انتهاكًا للسيادة، بل لأنه من الناحية الأمنية غير واقعي، نظراً لضرورة عبور هذا الممر من مناطق غير مستقرة كدرعا، التي تضم جماعات مسلحة سنية قد تعارض مثل هذا التحرك.
◄ أزمة الثقة.. الشرع وإرثه الجهادي
من العوامل التي عقدت فرص إنجاح الاتفاق، أن الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، الذي جاء بعد سقوط نظام بشار الأسد، هو شخصية مثيرة للجدل بسبب خلفيته في جبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة. ورغم ما تبديه حكومته من مرونة براغماتية واستعداد لتقديم تنازلات سياسية من أجل ضمان الاعتراف الإقليمي والدولي، فإن إسرائيل، ومعها عدد من المراقبين الدوليين، لا تزال تشكك في نواياه الحقيقية، وتخشى أن يكون الاتفاق وسيلة لإعادة ترتيب الأوراق لصالح فصائل متطرفة بأقنعة سياسية جديدة.
هذا الخوف يتضاعف في ظل التصاعد الشعبي السوري ضد إسرائيل، خاصة بعد ما تشهده غزة من دمار وقتل، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي للجولان. فحتى إن وافقت القيادة السورية الجديدة على توقيع اتفاقات مع إسرائيل، فإن المزاج الشعبي لا يبدو مهيأ لتقبل مثل هذه الخطوة، ما يعقّد أي محاولات لتمرير تسوية سياسية شاملة.
◄ دروز السويداء بين الاستقلال والارتهان
السويداء اليوم تعيش حالة من شبه الاستقلال الفعلي عن المركز في دمشق. فبين ضعف مؤسسات الدولة في المنطقة، ووجود تشكيلات محلية مسلحة ذات طابع درزي، وتراجع قدرة النظام على فرض سلطته هناك، باتت المحافظة تعيش واقع “الإدارة الذاتية غير المعلنة”، لكن هذا الواقع، رغم ما يمنحه للدروز من حرية، جعلهم أيضًا في موقع حساس يمكن أن يُستخدم كأداة من قبل أطراف إقليمية ودولية لفرض شروطهم على دمشق.
في هذا السياق، يصبح الدروز – دون إرادتهم – عنصراً معرقلاً لأي مشروع استقرار شامل في سوريا، سواء بسبب المطالب الإسرائيلية، أو بسبب رفضهم العودة الكاملة إلى سلطة المركز، أو حتى بسبب وجود جهات داخلية ترى في استقلالهم تهديداً لوحدة البلاد. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن تحقيق الاستقرار في دمشق دون إيجاد صيغة مقبولة لدمج السويداء ضمن الدولة المركزية دون المساس بخصوصيتها؟
◄ الموقف الأميركي والمآلات المحتملة
الولايات المتحدة، التي رعت المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، ترى في الاتفاق فرصة لإعادة دمج سوريا في النظام الإقليمي من جهة، وإضعاف النفوذ الإيراني من جهة أخرى. وهي تضغط على تل أبيب للموافقة على خارطة الطريق، باعتبارها خطوة نحو استقرار الحدود الشمالية واحتواء النفوذ الروسي والإيراني في سوريا. غير أن معضلة الدروز، وبالذات مسألة الممر الإنساني، قد تجعل الاتفاق ضحية للمزايدات السياسية داخل إسرائيل، خاصة في ظل هشاشة الحكومة الإسرائيلية وتحالفاتها الداخلية الهشة.
في خضم الصراع السوري متعدد الأوجه، تبرز الطائفة الدرزية كلاعب محوري في منع أو إنجاح أي مشروع تسوية سياسية مستدامة، ليست المشكلة في الدروز كجماعة، وإنما في موقعهم الاستراتيجي، وصلاتهم الإقليمية، واستخدامهم كورقة ضغط من قبل أطراف متنازعة. وبالتالي، فإن تحقيق الاستقرار في دمشق لا يمكن أن يتم دون مقاربة شاملة تتعامل مع ملف الدروز بواقعية، وتمنحهم الضمانات الأمنية والاجتماعية التي يحتاجونها، دون أن يتحولوا إلى أداة تدخل خارجي أو عائق دائم في طريق وحدة البلاد.
من دون حل هذه العقدة، ستظل السويداء خارج الإجماع الوطني، وسيظل الاستقرار في دمشق منقوصاً، ومعلّقًا على توازنات إقليمية قد تتغير في أي لحظة.
◄ من هم الدروز في سوريا؟
الدروز في سوريا طائفة دينية ذات أصول إسماعيلية شيعية، تطوّرت تعاليمها في القرن الحادي عشر الميلادي في عهد الدولة الفاطمية، وتحديدًا في عهد الحاكم بأمر الله، وتُعتبر الديانة الدرزية مذهبًا باطنيًا مغلقًا، لا يُسمح لأتباعه باعتناق ديانات أخرى أو الدعوة إليه، ويُعرفون بطقوسهم السرية وولائهم العشائري القوي.
يشكل الدروز حوالي 3% من السكان في سوريا، ويتركزون بشكل رئيسي في محافظة السويداء جنوب البلاد، التي تُعرف بـ”جبل العرب” أو “جبل الدروز”، وهي منطقة جبلية قريبة من الحدود مع الأردن والجولان المحتل. كما يوجد تواجد أقل لهم في مناطق مثل ريف دمشق (جبل الشيخ)، وقرى صغيرة في محافظة القنيطرة.
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، تبنّى الدروز موقفًا حذرًا وحياديًا في الغالب، لا يؤيد المعارضة بشكل صريح، ولا ينسجم تمامًا مع النظام. لكنهم كانوا أقرب إلى النظام السوري بحكم التاريخ والعلاقة مع الدولة، لا سيما في ظل التهديدات التي مثلها وجود الجماعات الإسلامية المتشددة، كداعش وجبهة النصرة، في الجنوب السوري.
مع ذلك، ظهرت خلال السنوات الأخيرة حركات محلية داخل السويداء تُطالب بالإصلاح واللامركزية، وبعضها تبنّى مواقف معارضة للنظام، كما حدث في احتجاجات 2023–2024، التي رفع فيها المتظاهرون شعارات غير مسبوقة ضد الحكم في دمشق.
◄ علاقة الدروز في سوريا بإسرائيل
يوجد في إسرائيل حوالي 140,000 درزي، معظمهم يعيشون في الجليل والجولان المحتل. بعد احتلال إسرائيل لهضبة الجولان عام 1967، بقيت بعض القرى الدرزية تحت الاحتلال، ورفض معظم سكانها الحصول على الجنسية الإسرائيلية، مع احتفاظهم بولاء رمزي لسوريا. ورغم ذلك، تطورت بينهم وبين إسرائيل علاقة معقدة، فإسرائيل تُجند الدروز في جيشها، وتعتمد عليهم أمنيًا، خصوصًا في المناطق الحدودية.
في المقابل، الدروز في سوريا ينظرون بحذر إلى دروز إسرائيل، وإن ظلّت هناك روابط عائلية، واتصالات تتم أحيانًا عبر منظمات غير حكومية أو وسطاء دوليين.
◄ استخدام إسرائيل لورقة الدروز سياسيًا
تُوظّف إسرائيل ورقة “حماية الدروز” في سوريا لتبرير تدخلاتها العسكرية أو السياسية في الجنوب السوري. في السنوات الأخيرة، تدخلت إسرائيل – حسب تقارير صحفية – لمنع سقوط قرى درزية بيد فصائل متطرفة، كما حدث في بعض حالات الاشتباك في السويداء أو القنيطرة.
وفي الاتفاق الأخير المسمى بـ”خارطة طريق السويداء”، طالبت إسرائيل بفتح “ممر إنساني” إلى محافظة السويداء، بحجة حماية الدروز السوريين، وهو ما أثار جدلاً واسعًا واعتبره السوريون محاولة لفرض نفوذ إسرائيلي ناعم في المنطقة.
تل أبيب تستخدم علاقتها بالدروز في سوريا أيضًا لكسب دعم مواطنيها الدروز داخل إسرائيل. فحين تُظهر إسرائيل نفسها كحامية للدروز في الجولان أو السويداء، فهي في الوقت ذاته تحاول تعزيز شعور الانتماء لدى دروز الداخل، الذين يعانون من التهميش، ويُشككون أحيانًا في مواقف الدولة تجاههم، خصوصًا بعد إقرار “قانون القومية” في 2018 الذي أثار غضبًا درزيًا واسعًا.






