رغم احتفاظ الولايات المتحدة بصدارة العالم في التكنولوجيا – من برمجيات الكمبيوتر إلى الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني – فإنها وجدت نفسها عاجزة أمام حملة اختراق صينية منظمة، عُرفت باسم “إعصار الملح” (Salt Typhoon).
منذ ثلاث سنوات، تمكّن قراصنة مدعومون من بكين من التغلغل في شبكات الاتصالات الأميركية، ونسخ المكالمات، وتتبع مسؤولي الاستخبارات ووكلاء إنفاذ القانون، في عملية ما زالت واشنطن تجهل مداها الكامل.
هجوم يتجاوز التجسس
لم يقتصر “إعصار الملح” على جمع المعلومات، بل كشف عن برمجيات خبيثة صينية مزروعة في أنظمة الطاقة والمياه والنقل الأميركية، ما يمنح الصين قدرة محتملة على تعطيل الحياة اليومية والعمليات العسكرية.
وفي حال اندلاع أزمة مستقبلية، يمكن لبكين أن تستخدم هذه القدرات لتعطيل شبكات الكهرباء، أو إعاقة النقل الجوي، أو تأخير التحشيد العسكري الأميركي. حتى دون هجوم مباشر، تكفي هذه الإمكانات لردع واشنطن عبر التلويح بشبح الفوضى الداخلية.
معركة غير متكافئة
تعكس هذه الهيمنة السيبرانية الصينية الفارق بين المقاربة التسلطية في بكين والنموذج الديمقراطي الأميركي:
الصين تبني دفاعاً شاملاً بفضل سيطرة الدولة الكاملة على فضائها الرقمي.
أما واشنطن، فتعتمد على قطاع خاص متشعب، تختلف مستويات استثماره في الأمن السيبراني تبعاً لحسابات تجارية، مع إشراف حكومي محدود.
وبينما تقيد القيم الأميركية المراقبة الشاملة، تطلق بكين يدها في بناء دفاع صارم وتنفيذ عمليات هجومية جريئة.
شبكة مخترقة وصعوبة الاستئصال
بحسب خبراء الأمن، استغل القراصنة ثغرات في أنظمة الحماية الرقمية لشركات الاتصالات الأميركية، واستخدموا كلمات مرور مسروقة للولوج إلى الشبكات. وبمجرد التسلل، زرعوا برمجيات خبيثة واستخدموا أدوات مشروعة للبقاء غير مرئيين.
الأخطر أن إزالة هؤلاء المهاجمين ليست مضمونة، وحتى في حال طردهم، يرجّح أن يعاودوا التسلل.
تهديد متعدد الجبهات
ورغم أن الصين تشكل التحدي الأكبر، فإنها ليست الوحيدة. فقد نفذ قراصنة روس وإيرانيون هجمات استهدفت أنظمة مياه ومستشفيات أميركية، مبرزين هشاشة البنية التحتية الحيوية.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي على خط الصراع، يتوقع الخبراء أن تتضاعف نقاط الضعف الأميركية إذا لم تُعتمد مقاربة جديدة.
نحو سياسة ردع جديدة
يدعو محللون إلى تبني استراتيجية أميركية محدثة ترتكز على:
استخدام الذكاء الاصطناعي لرصد الثغرات في البنية التحتية وإصلاحها.
بناء قدرات هجومية تكفي لردع الصين وغيرها من الخصوم.
إرسال رسائل واضحة بأن زرع برمجيات خبيثة في البنى الحيوية الأميركية يعد “خطاً أحمر”.
جذور التفوق الصيني
تعود جذور النجاح الصيني إلى تسعينيات القرن الماضي، حين تعاملت بكين مع الإنترنت كتهديد محتمل للحكم السلطوي. فاختارت فرض رقابة صارمة على الشبكة، وحجبت التطبيقات الغربية، وبنت منظومة دفاعية متينة.
في المقابل، ركزت الولايات المتحدة على حماية الحريات المدنية أكثر من تركيزها على تحصين فضائها السيبراني، لتجد نفسها اليوم متأخرة في معركة الحدود الرقمية.






