شهدت الصين صباح الثلاثاء حدثًا فضائيًا جديدًا يؤكد مضيها في تعزيز قدراتها الاستراتيجية في هذا المجال، حيث نجح صاروخ “سمارت دراغون-3” في الإقلاع من منصة بحرية قبالة سواحل مدينة ريتشاو في مقاطعة شاندونغ بشرق البلاد، عند الساعة 3:48 صباحًا بتوقيت بكين، في عملية أشرف عليها مركز تايوان لإطلاق الأقمار الصناعية. وتمكنت المهمة من إيصال أقمار “جيلي-05” الصناعية إلى مداراتها المخططة بدقة، في خطوة تؤكد نجاح بكين في الجمع بين الدقة التقنية والطموح الاستراتيجي. وتتمثل أهمية هذه الأقمار في كونها جزءًا من مشروع متكامل يهدف إلى تحسين خدمات الاتصالات والملاحة، وتعزيز قدرات مراقبة الأرض والتطبيقات الفضائية المتقدمة التي تشمل إدارة الكوارث الطبيعية والتخطيط العمراني والتوسع في مجالات الذكاء الاصطناعي المعتمد على البيانات الفضائية.
الإطلاق البحري كخيار استراتيجي
اللافت في المهمة الأخيرة أنها اعتمدت على أسلوب الإطلاق البحري بدلًا من المنصات الأرضية التقليدية، وهو خيار يعبّر عن مرونة متزايدة في برنامج الفضاء الصيني، إذ يتيح لبكين تجاوز العقبات المرتبطة بالازدحام في مواقع الإطلاق الرئيسية داخل أراضيها، فضلاً عن منحها قدرة أكبر على اختيار المواقع المثلى للانطلاق بما يتناسب مع متطلبات المدار. كما أن هذا النهج يقلل من المخاطر المتعلقة بسقوط الحطام على مناطق مأهولة، ويوفر للصين ميزة إضافية تتمثل في زيادة عدد المهمات الفضائية الممكن تنفيذها خلال العام الواحد، مما يعزز من قدرتها التشغيلية ويدعم تنافسيتها أمام القوى الفضائية الكبرى.
“سمارت دراغون-3” ودوره في سباق الفضاء
لا يقل الصاروخ نفسه أهمية عن طريقة الإطلاق، فهو يعد من أحدث المنصات الصينية متعددة الاستخدامات، صُمم ليكون قادرًا على حمل حمولات كبيرة إلى مدارات منخفضة ومتوسطة حول الأرض، وهو ما يجعله مناسبًا لإطلاق أقمار اتصالات، وأقمار استشعار عن بُعد، بالإضافة إلى الأقمار المرتبطة بمشاريع الإنترنت والملاحة. هذا التنوع في الاستخدام يعكس طموح بكين في جعل “سمارت دراغون-3” أحد الأعمدة الرئيسية في برنامجها الفضائي التجاري، وهو مجال يتسارع فيه التنافس مع الشركات الخاصة الأميركية وفي مقدمتها “سبيس إكس” التي رسخت موقعها عالميًا من خلال برنامج “فالكون 9”. وإذا كان الأمريكيون قد سبقوا إلى جعل إطلاق الأقمار عملية تجارية مربحة، فإن الصين تحاول اللحاق بسرعة من خلال الجمع بين الدعم الحكومي الهائل وتطوير صواريخ تنافسية مرنة.
الأبعاد الاستراتيجية والاقتصادية
إن نجاح مهمة “سمارت دراغون-3” لا يمكن قراءته بمعزل عن الأهداف الأوسع للسياسة الصينية في مجال الفضاء، فإلى جانب الأبعاد العلمية والتقنية، يندرج هذا الإنجاز ضمن مشروع استراتيجي طويل الأمد يجعل من الفضاء جزءًا أساسيًا من بنية القوة الصينية الناعمة والصلبة في آن واحد. اقتصاديًا، تستثمر بكين بكثافة في قطاع الفضاء بهدف توفير خدمات جديدة في الاتصالات والملاحة، وربطها بمبادرة “الحزام والطريق” لتوسيع نفوذها في آسيا وأفريقيا وأوروبا. عسكريًا، تتيح لها هذه الأقمار قدرات متقدمة في مجال المراقبة والاستطلاع، وهو ما يمنحها تفوقًا محتملاً في أي نزاعات إقليمية مقبلة. أما دبلوماسيًا، فإن توفير خدمات فضائية للدول الشريكة يضيف بعدًا جديدًا لعلاقات الصين الدولية، ويعزز موقعها كقوة عالمية صاعدة لا تقتصر إنجازاتها على الاقتصاد والتكنولوجيا الأرضية فحسب، بل تمتد إلى الفضاء باعتباره ساحة نفوذ جديدة.
الصين ورسالتها إلى العالم
بهذا الإطلاق البحري الناجح، تكون الصين قد أكدت مرة أخرى أنها لاعب رئيسي في سباق الفضاء العالمي، وأنها تمتلك من المرونة والقدرات ما يجعلها قادرة على منافسة القوى التقليدية كروسيا والولايات المتحدة. وإذا كانت هذه المهمة قد ركزت على أقمار صغيرة نسبياً، فإن الأفق المستقبلي يشير إلى استعداد بكين لتوسيع مشاريعها نحو منظومات فضائية أكبر وأكثر تعقيدًا. وبذلك يصبح “سمارت دراغون-3” ليس مجرد صاروخ جديد في سلسلة طويلة من منصات الإطلاق الصينية، بل رمزًا لمرحلة جديدة في مسار صعود الصين كقوة فضائية متكاملة.






