اصطدمت الجهود الدولية بجدار الانقسام داخل مجلس الأمن الدولي، بعد أن استخدمت الصين وروسيا حق النقض لإسقاط مشروع قرار يهدف إلى تأمين الملاحة وإعادة فتح مضيق هرمز.
النتيجة لم تكن مجرد فشل دبلوماسي، بل مؤشر واضح على أن الأزمة خرجت من نطاق التوافق الدولي، ودخلت مرحلة صراع إرادات بين القوى الكبرى، حيث لم يعد الأمن البحري قضية تقنية، بل ساحة مواجهة سياسية مفتوحة.
هرمز بين القانون والقوة: من يحمي الممر العالمي؟
مشروع القرار، الذي تقدمت به البحرين، حاول إيجاد صيغة وسطية عبر تشجيع تنسيق دفاعي لضمان المرور الآمن، بما في ذلك مرافقة السفن التجارية. حتى النسخة “المخففة” من النص، التي تخلت عن تفويض استخدام القوة، لم تكن كافية لتجاوز الانقسام.
هنا يظهر جوهر الخلاف: هل حماية الملاحة في مضيق استراتيجي تُعد مسؤولية جماعية يمكن فرضها، أم أنها تدخل في نطاق السيادة والتوازنات الإقليمية؟
الصين وروسيا اعتبرتا أن تمرير القرار قد يفتح الباب أمام تدخلات عسكرية مغطاة دولياً، ما يشكل سابقة خطيرة. في المقابل، ترى الولايات المتحدة وحلفاؤها أن ترك المضيق دون آلية حماية دولية يعني عملياً السماح بتهديد شريان الطاقة العالمي.
انقسام دولي حاد: أغلبية بلا تأثير
التصويت داخل المجلس كشف مفارقة لافتة: أغلبية واضحة دعمت القرار، لكن الفيتو حسم النتيجة. هذه المعادلة تعكس واقع النظام الدولي الحالي، حيث لا تكفي الإرادة الجماعية إذا اصطدمت بمصالح القوى الكبرى.
تصريحات مايكل والتز حملت اتهاماً مباشراً لبكين وموسكو بالانحياز إلى طهران، بينما رد فاسيلي نيبينزيا بالتحذير من “سابقة خطيرة”. وبين الموقفين، يتضح أن الخلاف ليس حول المضيق فقط، بل حول قواعد النظام الدولي نفسه.
الخليج يرد: القلق يتحول إلى موقف سياسي
دول الخليج، التي تقف في قلب هذه الأزمة، عبّرت عن قلق متزايد من غياب إطار دولي واضح. الإمارات العربية المتحدة وصفت فشل القرار بأنه انتكاسة، مؤكدة أن حرية الملاحة ليست مسألة تفاوض، بل ضرورة اقتصادية عالمية.
هذا الموقف يعكس تحولاً من القلق إلى الضغط السياسي، حيث لم تعد دول المنطقة تكتفي بانتظار توافق القوى الكبرى، بل تسعى لدفع المجتمع الدولي نحو تحرك أكثر وضوحاً.
ما وراء الفيتو: صراع على النفوذ لا على الملاحة
القراءة الأعمق تشير إلى أن الفيتو لم يكن دفاعاً عن مبدأ قانوني بقدر ما كان تعبيراً عن توازنات استراتيجية. فالصين وروسيا لا تنظران إلى مضيق هرمز فقط كممر للطاقة، بل كنقطة نفوذ في مواجهة الولايات المتحدة.
في المقابل، ترى واشنطن أن أي فراغ في هذا الممر سيُملأ بقوى منافسة، ما يجعل المعركة حوله جزءاً من صراع أوسع على النفوذ العالمي.
ماذا بعد مجلس الأمن؟
فشل القرار لا يعني نهاية الجهود، بل انتقالها إلى مسارات أخرى: تحالفات بحرية، ترتيبات إقليمية، وربما إجراءات أحادية الجانب. وهذا ما يزيد من تعقيد المشهد، حيث قد تتعدد المبادرات دون مظلة دولية موحدة.
النتيجة المحتملة هي مزيد من “تدويل غير منظم” للأزمة، حيث تتحرك كل قوة وفق مصالحها، ما يرفع مخاطر الاحتكاك المباشر.
بين العجز الدولي والتصعيد المحتمل
ما حدث في مجلس الأمن يعكس حقيقة باتت واضحة: النظام الدولي يواجه صعوبة متزايدة في إدارة الأزمات الكبرى عندما تتقاطع فيها مصالح القوى العظمى.
وفي ظل غياب توافق دولي، يبقى مضيق هرمز نقطة اشتعال مفتوحة، ليس فقط بسبب التوتر الإقليمي، بل بسبب الانقسام العالمي حول كيفية التعامل معه.
السؤال الآن لم يعد: هل يمكن فتح المضيق؟ بل: من يملك الشرعية والقوة لفرض ذلك… في عالم لم يعد يتفق حتى على قواعده الأساسية؟




