تحمل الزيارات الدبلوماسية المتزايدة لقرى الضفة الغربية، كما في حالة وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إلى قرية الطيبة شرق رام الله، أبعادًا سياسية وإنسانية بالغة الدلالة في ظل التصعيد الإسرائيلي المتواصل. ففي وقت تتفاقم فيه اعتداءات المستوطنين على المدنيين الفلسطينيين، وتتصاعد وتيرة جرائم القتل والحرق والتهجير القسري، تكتسب هذه الزيارات طابعًا توثيقيًا ورسالة رمزية للجهات الفاعلة دوليًا.
تحول نسبي في القرار الأوروبي
زيارة الوزير الألماني، التي جاءت متزامنة مع ازدياد الهجمات على القرى الفلسطينية في محيط رام الله ونابلس وجنين، تعكس تحولًا نسبيًا في بعض دوائر القرار الأوروبي تجاه فهم طبيعة الصراع على الأرض، بعيدًا عن الرواية الإسرائيلية الرسمية التي طالما حاولت اختزال ما يجري في “نزاع أمني” أو “ردود فعل فردية”. فالوجود الميداني لدبلوماسيين في أماكن الاعتداءات ينزع عن الاحتلال قدرته على التعتيم، ويعزز توثيق الجرائم من مصادر مستقلة وشهادات حية لسكان متضررين.
تكمن أهمية هذه الزيارات في كونها تتعدى الطابع البروتوكولي، لتصبح بمثابة اعتراف ضمني من ممثلين رسميين لدول كبرى، بوجود واقع قمعي ممنهج ضد المدنيين الفلسطينيين، يتجلى في عنف المستوطنين المسلحين، بدعم مباشر أو ضمني من الجيش الإسرائيلي. وتكتسب هذه الزيارات وزنًا خاصًا حين تنفذ في القرى المهددة بالضم أو الطرد أو الاقتحام، حيث يُنظر إليها على أنها فعل مقاومة سياسي بالحد الأدنى، ورسالة تضامن لا يمكن لإسرائيل تجاهلها في المحافل الدولية.
عقوبات على المستوطنين
على المستوى العملي، تتيح هذه الجولات الدبلوماسية للمجتمع الدولي الاطلاع على تفاصيل الانتهاكات بطريقة مباشرة، ما يعزز من فرص إدراج الجرائم في تقارير المؤسسات الأممية، ويؤسس لجهد حقوقي متماسك يسهم في محاسبة المسؤولين عنها. كما أنها تضغط على صناع القرار في العواصم الغربية لمراجعة سياساتهم، خاصة مع تنامي السخط الشعبي والمجتمعي في أوروبا تجاه دعم غير مشروط لإسرائيل وسط مشاهد القتل والتهجير.
لكن في المقابل، تبقى هذه الزيارات غير كافية ما لم تُترجم إلى مواقف سياسية واضحة، مثل فرض عقوبات على المستوطنين، أو وقف صادرات الأسلحة إلى إسرائيل، أو الاعتراف بدولة فلسطين ضمن حدود 1967. فالمأساة في الضفة الغربية لم تعد مسألة “انتهاكات حقوقية فردية”، بل ترتقي إلى نمط من الاستعمار الاستيطاني المدعوم بترسانة قانونية وعسكرية متكاملة.
مواقف سياسية حازمة
في هذا السياق، تشكل زيارة فاديفول نموذجًا لا يجب أن يظل معزولًا، بل جزءًا من حراك دولي أوسع يربط ما يجري في الضفة الغربية بما يحدث في غزة، ويعترف بأن سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين لا تعرف فوارق جغرافية بين شمال الضفة وجنوب القطاع، بل تقوم على فرض وقائع جديدة بالقوة، وتفكيك بنية المجتمع الفلسطيني على مراحل.
إن أي تحرك دبلوماسي لا يُتوَّج بمواقف سياسية حازمة سيكون مجرّد زيارة في دفتر الذكريات، لن توقف حفلة الاعتداءات الليلية التي يقودها المستوطنون تحت أنظار الجنود، ولن تعيد الأمن لأطفال الطيبة أو جبع أو برقة. أما إذا ترافقت مع ضغط حقيقي، فقد تصبح بداية في كسر الحصانة التي وفّرها صمت المجتمع الدولي لعقود.







