تكشف حادثة مقتل الشابين سيف الدين مصلط ومحمد الشلبي على يد مستوطنين قرب بلدة سنجل شمال شرقي رام الله، عن تصعيد خطير في سلوك المستوطنين في الضفة الغربية، حيث تحوّل الإرهاب الاستيطاني من هجمات متقطعة إلى نمط يومي منظّم، يجري في كثير من الأحيان تحت حماية أو تواطؤ واضح من جيش الاحتلال الإسرائيلي. المشهد يتجاوز مجرد جريمة قتل فردية، ليعكس تحوّلاً نوعياً في بنية العدوان على الأرض، حيث لم يعد المستوطن مجرد مستفيد من سياسات الاحتلال، بل شريك فعلي في تنفيذها.
تصاعد عنف المستوطنين
الجانب الذي يضفي أبعادًا إضافية على الجريمة هو جنسية أحد الضحايا، سيف الدين مصلط، الذي يحمل الجنسية الأميركية. هذا المعطى يضع إدارة واشنطن أمام اختبار حقيقي لمصداقية مواقفها المُعلنة بشأن حماية مواطنيها في الخارج وحقوق الإنسان، خاصة في ظل سجل طويل من الصمت الأميركي تجاه جرائم مشابهة، أبرزها مقتل الصحفية شيرين أبو عاقلة. ردّ الفعل الأميركي، كما جاء في التصريحات الأولية، يعكس مرة أخرى سياسة مزدوجة، إذ اكتفت الخارجية الأميركية بالإشارة إلى “تقديم المساعدة القنصلية” دون توجيه أي إدانة أو مطالبة بالتحقيق الجاد، ما يعكس استمرار غياب الإرادة السياسية في واشنطن للضغط على إسرائيل في قضايا تتعلق بمحاسبة المستوطنين والجيش.
من الناحية السياسية، تشكل هذه الجريمة عامل ضغط إضافي على السلطة الفلسطينية التي تواجه تحديًا مركّبًا: تصاعد عنف المستوطنين من جهة، وغياب أي أفق سياسي أو حماية دولية فاعلة من جهة أخرى. الدعوات التي صدرت عن مسؤولي منظمة التحرير، والمجلس الوطني، وحركة فتح، لتعزيز المقاومة الشعبية، تعكس تغيرًا في الخطاب الرسمي الفلسطيني، الذي بدأ يتبنى بشكل أكثر وضوحًا فكرة التصعيد الشعبي كوسيلة لردع المستوطنين وفرض معادلة ميدانية جديدة على الأرض.
تطهير عرقي بطيء
التوصيفات التي استخدمها مسؤولون فلسطينيون، مثل “إرهاب الدولة المنظم” و”ميليشيات المستوطنين”، ليست عبارات إعلامية فقط، بل تحمل دلالات قانونية تُعبّد الطريق لمطالبات متصاعدة بتصنيف هذه الجماعات كمليشيات إرهابية، والمطالبة بملاحقة قادتها أمام المحاكم الدولية. هذه المطالب تستند إلى معطيات ميدانية دقيقة، حيث تشير تقارير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أكثر من 11 ألف اعتداء إسرائيلي في النصف الأول من عام 2025 وحده، بينها أكثر من ألفي اعتداء نفذها مستوطنون.
تصاعد هذه الهجمات، وتزامنها مع توسع الاستيطان في مناطق الأغوار وشمال الضفة، يكشف عن مشروع منهجي لإحداث تغييرات ديمغرافية وجغرافية على الأرض، يُمكن وصفه وفق منظمات حقوقية إسرائيلية ودولية بأنه “تطهير عرقي بطيء”. إقامة خيام وكرفانات جديدة، وطرد الفلسطينيين من أراضيهم، لا يأتي كأفعال فردية، بل كجزء من خطة استيطانية مغطاة قانونياً من الحكومة الإسرائيلية.
تطرف سياسي
الموقف الدولي، الذي لا يزال ضعيفًا تجاه عنف المستوطنين، يضعف قدرة القانون الدولي على التأثير، ويزيد من قناعة الفلسطينيين بضرورة تفعيل أدوات المقاومة الشعبية كخيار واقعي أمام انسداد الأفق السياسي. ومع توسع العنف ليطال حتى الفلسطينيين من حملة الجنسيات الأجنبية، قد يكون ذلك دافعًا لنقل المعركة إلى المحاكم الدولية، وفتح ملفات جديدة أمام المحكمة الجنائية الدولية تتعلق بممارسات المستوطنين، بصفتها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد توتر ميداني، بل هو انعكاس مباشر لتطرف سياسي متجذّر في مؤسسات الحكم الإسرائيلي، ولامبالاة دولية تغذي الشعور الفلسطيني بالغُبن. والمشهد العام يشير إلى أن الأيام المقبلة ستشهد تصاعدًا في المواجهة بين إرادة شعبية تسعى للصمود والبقاء، وبين منظومة استعمارية باتت تتصرف بدون قيود أو محاسبة.







