تعيش بغداد لحظة سياسية واقتصادية دقيقة، مع استمرار مأزق انتخاب رئيس الجمهورية وتعثر تشكيل الحكومة، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من «تعطيل كل مفاصل الدولة» وتفاقم أزمة مالية تهدد قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها.
مأزق دستوري يُربك البرلمان
طلب رئيس مجلس النواب العراقي، هيبت الحلبوسي، من المحكمة الاتحادية العليا تفسير نص دستوري يتعلق بآلية انتخاب رئيس الجمهورية، بعد انقضاء المدد المحددة دون حسم المنصب.
وينص الدستور على استمرار الرئيس في أداء مهامه لحين انتخاب خلف له خلال 30 يوماً من أول جلسة للبرلمان، إلا أن الانقسامات السياسية حالت دون تحقيق النصاب المطلوب، ما أثار جدلاً قانونياً حول قدرة البرلمان على مواصلة جلساته التشريعية في ظل غياب انتخاب الرئيس.
في المقابل، حذرت كتل سياسية من أن استمرار الانسداد قد يقود إلى شلل مؤسسي كامل، خصوصاً مع بقاء الحكومة في وضع «تصريف أعمال» بصلاحيات محدودة.
حكومة مقيدة وصراع داخل «الإطار»
يقود رئيس الوزراء المنتهية ولايته، محمد شياع السوداني، حكومة تواجه تحديات مزدوجة: انسداد سياسي داخلي وضغوط إقليمية متصاعدة.
وتشهد قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية انقسامات حادة بشأن هوية رئيس الوزراء المقبل، وكذلك بشأن تمديد عمل الحكومة الحالية. وتقول كتل داعمة للسوداني إن تعطيل انتخاب الرئيس انعكس مباشرة على الأداء التنفيذي، وأربك مؤسسات الدولة، بينما ترى أطراف أخرى أن الحل يبدأ بتوافق سياسي شامل، لا بترحيل الأزمة.
ضغط مالي.. عودة إلى قوانين الماضي
وبالتوازي مع الأزمة السياسية، تواجه الحكومة أزمة مالية خانقة، في ظل تضخم الجهاز الوظيفي الذي يضم أكثر من 4.5 مليون موظف، تلتهم رواتبهم نحو 90 في المائة من الموازنة العامة المعتمدة أساساً على عائدات النفط.
وفي خطوة أثارت جدلاً واسعاً، لجأت الحكومة إلى تفعيل قانون يعود إلى عام 1987، يتيح تصنيف بعض الموظفين كـ«فائضين» ومنحهم وضعاً أقرب إلى التقاعد المؤقت، في محاولة لخفض النفقات.
ويرى خبراء اقتصاد أن تأخر الإصلاحات البنيوية ضاعف كلفة المعالجة، بينما يتهم منتقدون الطبقة السياسية بتغليب مصالحها وامتيازاتها على حساب إصلاح حقيقي يطال مكامن الهدر والفساد.
أرقام صادمة في قطاع الكهرباء
كما كشف محافظ البنك المركزي العراقي، علي العلاق، عن فجوة هائلة بين الإنفاق والإيرادات في قطاع الكهرباء، موضحاً أن الدولة تنفق ما بين 23 و25 تريليون دينار سنوياً على إنتاج الطاقة، مقابل إيرادات لا تتجاوز تريليون دينار واحد.
وتعكس هذه الأرقام، بحسب مراقبين، عمق الاختلال في الإدارة المالية، وتطرح تساؤلات حول استدامة الإنفاق العام في حال تراجع أسعار النفط.
وسياسياً، تجد بغداد نفسها أيضاً وسط تجاذبات إقليمية، مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. وأكد وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، دعم بلاده للمفاوضات الجارية بين الطرفين، مشدداً على رفض استخدام الأراضي العراقية منطلقاً لأي عمل عسكري.
ورغم ذلك، يحاول العراق الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاته الإقليمية والدولية، في وقت تعاني فيه مؤسساته من ضعف داخلي ناجم عن الانقسام السياسي والضغط الاقتصادي.







