في خطوة مثيرة للجدل، أعلن الإطار التنسيقي في العراق أن الرئاسات الأربع (الجمهورية، الوزراء، البرلمان، القضاء) اتفقت على ترحيل مشروع قانون «الحشد الشعبي» إلى الدورة البرلمانية المقبلة، بعد أسابيع من الجدل العاصف وضغوط أميركية مكثفة.
جاء هذا القرار بالتزامن مع بدء انسحاب تدريجي للقوات الأميركية من قاعدة «عين الأسد» في الأنبار إلى قاعدة «حرير» في إقليم كردستان، في إطار ما تسميه واشنطن «إعادة التموضع».
الانسحاب الأميركي.. جدل داخلي وصمت سني
بينما رحّبت قوى شيعية بخطوة الانسحاب الأميركي باعتبارها جزءاً من اتفاق بغداد – واشنطن لعام 2024، التزمت القوى السنية الصمت، في حين أبدت القوى الكردية رفضاً قاطعاً لهذه الخطوة، معتبرة أنها تضر باستقرار العراق وتفتح الباب أمام فراغ أمني خطير.
النائب الأول لرئيس البرلمان، خاشوان عبد الله، شدد على أن «العراق ما زال بحاجة إلى القوات الأميركية وقوات التحالف الدولي»، محذراً من أن إقرار قانون الحشد «لا يخدم استقرار البلاد ولا مصالح مواطنيه».
قانون «الحشد».. بين الترحيل والتسويف
ترحيل مشروع القانون إلى البرلمان المقبل يعني عملياً تجميد الملف، رغم أن كتل شيعية تملك الأغلبية البرلمانية القادرة على تمريره.
ويرى مراقبون أن الضغوط الأميركية لعبت الدور الأبرز في هذا القرار، وأن التوافق الذي شمل الرئاسات الأربع يؤكد حجم النفوذ الأميركي على القرار السياسي العراقي. ومع ذلك، شدد الإطار التنسيقي على أن تأجيل القانون لا يعني حل الحشد الشعبي أو المساس بشرعيته، بل مجرد إرجاء مؤقت لتجنب أي تصعيد داخلي أو إقليمي.
الانقسام الشيعي ـ الشيعي
الخلافات الشيعية ـ الشيعية كانت حاسمة في عرقلة تمرير القانون، إذ أخفق نواب القوى الشيعية في توفير النصاب القانوني رغم امتلاكهم أكثر من 184 نائباً، وهو عدد كافٍ لتمرير القانون بسهولة.
بعض القوى هدّدت بالدخول إلى البرلمان بزي «الحشد الشعبي» لإجبار الكتل الأخرى على تمريره، لكن هذه الضغوط لم تحقق هدفها، في ظل انقسام داخلي واضح بين التيارات الشيعية حول مستقبل الحشد ودوره في الدولة.
موقف «الحشد الشعبي»
القيادي في الحشد، أوس الخفاجي، أكد أن الضغوط الأميركية لا تستهدف «الحشد» كهيئة رسمية، وإنما الفصائل المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة.
وقال إن «سلاح الحشد مُسجَّل رسمياً بأوامر حكومية»، نافياً أي نية لنزعه، لكنه في الوقت ذاته لم يخفِ حقيقة أن المعضلة الحقيقية تكمن في الفصائل المسلحة خارج إطار الحشد، وهي التي تصعّب مهمة الحكومة في فرض حصرية السلاح بيد الدولة.
يرى محللون أن ترحيل قانون الحشد الشعبي قد يخفف الضغوط عن حكومة بغداد في الوقت الراهن، لكنه في المقابل يعكس ضعف قدرة السلطة التنفيذية على حسم الملفات الخلافية.
وقد يمنح هذا القرار الحكومة فسحة لالتقاط الأنفاس، لكنه يضعها أمام اختبار صعب في الدورة المقبلة، خصوصاً أن القوى الداعمة للحشد لن تتراجع عن مطلب تشريعه بشكل كامل يضمن له امتيازات واسعة.
توازن دقيق بين واشنطن وطهران
إرجاء القانون يكشف أيضاً محاولات بغداد السير على خيط رفيع بين واشنطن وطهران، فبينما تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً لمنع تمريره، تفضل إيران استمراره كغطاء شرعي لفصائلها الحليفة.
ومع ترحيل الملف، يتوقع مراقبون أن يظل البرلمان المقبل ساحة صراع مفتوح بين النفوذين الأميركي والإيراني، بما قد يؤثر على مستقبل الاستقرار السياسي والأمني في العراق.







