في تطوّرٍ يعكس خطورة المنعطف الذي بلغته الحرب السودانية، كشفت مذكرة دبلوماسية للأمم المتحدة أنّ مجلس حقوق الإنسان سيعقد جلسة طارئة في 14 نوفمبر الجاري لبحث الوضع في مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، التي تحوّلت إلى رمزٍ للمأساة الإنسانية والاختبار السياسي للأطراف الإقليمية والدولية على حدّ سواء.
التحرك الأممي جاء على خلفية تقارير موثوقة عن عمليات قتل جماعي ارتكبتها قوات “الدعم السريع” عقب سيطرتها الكاملة على المدينة، ما دفع أكثر من خمسين دولة — بينها بريطانيا وألمانيا والنرويج وهولندا وإيرلندا — إلى دعم عقد الجلسة الطارئة.
الفاشر تسقط… ودارفور خارج السيطرة
لم يكن استيلاء قوات “الدعم السريع” على مدينة الفاشر مجرّد حدثٍ ميداني في حربٍ طويلة الأمد، بل منعطفًا تاريخيًا يختزل انهيار موازين القوة في السودان. فالفاشر، التي كانت تُعرف منذ عقود بأنها بوابة دارفور السياسية والعسكرية، مثّلت آخر خطوط الدفاع عن نفوذ الجيش في الإقليم. ومع سقوطها، فقد الجيش موطئ قدمه الأخير في الغرب، لتتحول دارفور فعليًا إلى منطقة نفوذ شبه كاملة لقوات الدعم السريع، التي باتت تسيطر — عسكريًا ولوجستيًا — على أكثر من ربع مساحة السودان.
لكن ما يجعل هذا التحول أكثر خطورة هو أنه يتجاوز البعد العسكري إلى بعدٍ رمزيّ وسياسيّ؛ فالفاشر كانت المدينة التي صمدت لأشهر في وجه الهجمات المتكررة، وأصبحت رمزًا لصراع الهوية والسلطة في البلاد. سقوطها إذًا لا يعني فقط تقدّم الدعم السريع ميدانيًا، بل يعني انهيار إحدى آخر روايات “الدولة المركزية” في مواجهة نموذج الميليشيا ذات الطابع القبلي والممول إقليميًا.
هذا المشهد يرسّخ منطق “إدارة الأمر الواقع” الذي تسعى إليه قوات الدعم السريع، عبر فرض سلطتها الميدانية وتوسيع شبكاتها الإدارية والاجتماعية في المدن الخاضعة لها. فهي لم تعد تتحرك كقوة متمرّدة، بل ككيانٍ يسعى إلى بناء سلطة بديلة تمتلك الأرض والموارد، وتستثمر في خطاب “حماية المدنيين” لتبرير تمددها.
غير أن هذا الواقع العسكري المغلف بالخطاب الإنساني يخفي خلفه مأساة دامية. فقد أكد مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وقوع عمليات قتل جماعي وإعدامات ميدانية طالت مئات المدنيين والمقاتلين العُزّل عقب سقوط المدينة. وتحدثت تقارير ميدانية عن مقابر جماعية داخل محيط الفاشر وعن انتهاكات ممنهجة ضد السكان المحليين، ما يعيد إلى الأذهان ذكريات المجازر التي عرفها الإقليم مطلع الألفية، حين وُصفت دارفور بأنها “جرح مفتوح في ضمير العالم”.
الخرطوم، التي تلتزم صمتًا متردّدًا أمام هذه الاتهامات، تجد نفسها اليوم في موقف حرج أمام المجتمع الدولي. فرفضها السابق لأي تحقيق دولي في الانتهاكات لم يعد مجديًا في ظلّ تراكم الأدلة الميدانية، بينما تصريحات سفيرها لدى الأمم المتحدة بأن السودان “ما زال يدرس موقفه من هذا التدخل” تعكس ارتباكًا رسميًا وانقسامًا داخليًا في بنية القرار السياسي والعسكري للدولة.
ذلك الارتباك ليس فقط نتاجًا لفقدان السيطرة الميدانية، بل أيضًا لانقسام الشرعية نفسها: فبين جيشٍ يرفع شعار “السيادة الوطنية” وهو يتراجع ميدانيًا، وميليشيا تسعى لاكتساب شرعية دولية عبر “الإنجاز العسكري”، يصبح السودان دولة بلا مركز، وحربًا بلا نهاية قريبة.
وهكذا، لم تعد الفاشر مجرد مدينة سقطت، بل علامة فاصلة بين مرحلتين: مرحلة كانت فيها الدولة السودانية — رغم هشاشتها — قادرة على الادعاء بأنها ممسكة بخيوط السلطة، ومرحلة جديدة تتبدّى فيها البلاد كموزاييك من القوى المتنازعة، يتقاطع فيها المحلي بالإقليمي والدولي، على أرضٍ أرهقها الدم، وتنتظر عدالةً لا تزال مؤجلة منذ عقدين.
هدنة على الورق… وواقع مشتعل
في الوقت الذي كانت فيه الأمم المتحدة تُعلن عن الجلسة الطارئة، أصدرت قوات “الدعم السريع” بيانًا أعلنت فيه موافقتها على هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، وفق مقترح قدّمته الرباعية الدولية (مصر، السعودية، الإمارات، الولايات المتحدة).
البيان جاء بلغة ناعمة تتحدث عن “تطلعات الشعب السوداني” و”ضمان حماية المدنيين”، لكن الميدان يروي قصة مختلفة.
ففي كردفان، شنّ الطيران الحربي السوداني سلسلة غارات مكثفة على مواقع “الدعم السريع” في أبو زبد والنهود، استهدفت مراكز عمليات ومستودعات ذخيرة. وتزامن ذلك مع حشدٍ عسكري كبير في مدينتي بارا والأبيض، ما يؤشر إلى توسّع رقعة الحرب إلى قلب السودان الأوسط.
وفي المقابل، ردّت “الدعم السريع” بمحاولات لاستهداف مدينة الدمازين عبر طائرات مسيّرة انقضاضية، غير أن الدفاعات الجوية للجيش أعلنت إسقاطها “دون أضرار تُذكر”، في رسالة بأنّ المعركة الجوية دخلت طورًا جديدًا من الكرّ والفرّ.
الرباعية الدولية… وساطة أم إدارة صراع؟
المبادرة التي طرحتها دول الرباعية — مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة — تبدو في ظاهرها محاولة لتثبيت هدنة إنسانية وفتح ممرات إغاثة للمدنيين، لكنها في جوهرها آلية لإدارة الصراع أكثر مما هي مشروع لإنهائه. فكل طرفٍ في هذه المنظومة ينطلق من هاجسٍ أمني أو مصلحةٍ جيوسياسية تجعل من الهدنة وسيلة لاختبار النفوذ لا لتجميد الحرب.
مصر، التي ترى في الجيش السوداني الامتداد الطبيعي لمفهوم “الدولة الوطنية” وضمانةً ضد تفكك الحدود الجنوبية، تخشى أن يتحول صعود قوات “الدعم السريع” إلى نموذج موازٍ للجيش الليبي أو للميليشيات العابرة للحدود، ما يفتح الباب أمام موجات تهريب وسلاح ونزوح لا يمكن السيطرة عليها. لذلك فهي تدعم أي مسار يُبقي للجيش حضورًا مؤثرًا في المعادلة السياسية المقبلة.
أما السعودية والإمارات، اللتان استضافتا مفاوضات جدة، فتمسكان بملف السودان من زاوية مختلفة: الأولى ترى في الاستقرار السوداني ركيزةً لأمن البحر الأحمر وممرات الطاقة، والثانية تنظر إليه من منظور اقتصادي واستراتيجي أوسع، يتصل بموانئ الشرق الإفريقي وبالتحالفات الناشئة في القرن الإفريقي. غير أن تضارب أولوياتهما — بين منطق التهدئة ومنطق النفوذ — جعل جهودهما تراوح بين الوساطة والوصاية.
في المقابل، تتابع واشنطن المشهد بعينٍ حذرة، مدركة أن كل فراغ في السودان يمكن أن يتحول إلى منفذٍ روسي أو صيني نحو البحر الأحمر. ولهذا تسعى إلى إعادة إحياء دورها الدبلوماسي في القرن الإفريقي، لكن دون التورط الميداني، مكتفية بدور “المراقب المؤثر” الذي يوجّه ولا يتدخّل.
ومع ذلك، تبقى العقبة الجوهرية هي غياب الثقة بين الطرفين المتحاربين، إذ تحوّلت كل هدنة سابقة إلى استراحة نارية يعيد فيها كل طرف تنظيم صفوفه، لا مراجعة خياراته. فالميدان لم يعد مجرّد مساحة مواجهة، بل ساحة اختبار للالتزامات الدولية وللقدرة على فرض واقع جديد قبل أي تسوية سياسية محتملة.
لهذا، يرى مراقبون أن هدنة الثلاثة أشهر المقترحة قد لا تتجاوز كونها مهلة لالتقاط الأنفاس أو إعادة التموضع، في حربٍ تجاوزت منطق الهدن الإنسانية إلى صراع بقاء مفتوح، تتقاطع فيه إرادة القوى الإقليمية مع فوضى الداخل السوداني، لتصنع مشهدًا شديد التعقيد تتراجع فيه السياسة أمام لغة الميدان.
بين الحرب والإنكار الدولي
مع تمدد “الدعم السريع” وتراجع الجيش، يواجه المجتمع الدولي إحراجًا مزدوجًا: فمن جهة، تُعرض الانتهاكات على شاشات العالم في وقتٍ يكتفي فيه مجلس الأمن بالبيانات؛ ومن جهة أخرى، تُظهر الدول الكبرى ترددًا واضحًا في تسمية المسؤولين أو فرض عقوبات حقيقية.
فالانقسام داخل مجلس الأمن حول الملف السوداني — كما حدث في ليبيا وسوريا سابقًا — جعل كل تحرك إنساني رهينة للتوازنات السياسية، بينما يدفع المدنيون ثمن “الواقعية الدبلوماسية”.
وفي ظل هذا العجز، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يتحرك المجتمع الدولي قبل أن تتحوّل دارفور إلى رواندا جديدة، أم يكتفي بالمشاهدة من بعيد، منتظرًا أن تفرز الحرب “غالبًا قويًا” يفرض السلام بالقوة؟






