لم تعد الفاشر، عاصمة شمال دارفور، مجرد ساحة مواجهة عسكرية بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، بل تحوّلت إلى رمز لمأساة ممتدة يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب. فبعد أسبوعين من الهدوء الحذر نسبيًا، عادت مقاتلات الجيش لتشن غارات جوية عنيفة على مواقع «الدعم السريع» جنوب شرقي المدينة، فيما ردّت الأخيرة بالتأكيد على أنها باتت قاب قوسين أو أدنى من مقر الفرقة السادسة مشاة داخل الفاشر، في تصعيد يعكس سباقًا محمومًا للسيطرة على آخر معاقل الجيش في دارفور.
بينما تتواصل الهجمات المتبادلة، يعيش عشرات الآلاف من المدنيين تحت رحمة القصف والحصار. فقد فرضت «الدعم السريع» طوقًا خانقًا على المدينة منذ أكثر من عام ونصف، مانعة وصول الغذاء والدواء، في وقت تفشت فيه المجاعة والكوليرا على نطاق واسع. المشهد الإنساني يبدو أكثر قتامة من أي وقت مضى، إذ تتقاطع المعارك مع أزمة إنسانية عميقة تهدد بفقدان السيطرة على الوضع الصحي والمعيشي برمته.
مناوي: إنقاذ الفاشر أولوية وطنية
أمام هذا الانهيار، دعا حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، إلى اعتبار إنقاذ الفاشر مسؤولية وطنية عاجلة. ففي خطابه أمام القيادات العسكرية واللجنة العليا لفك الحصار، شدّد على ضرورة توحيد الصف الوطني لمواجهة ما وصفه بـ«مخططات الأطماع الخارجية» ومحاولات تمزيق السودان، مؤكدًا أن وحدة الجبهة الداخلية باتت الخيار الوحيد لحماية المدينة من السقوط والانزلاق نحو سيناريو أكثر مأساوية.
كردفان… جبهة موازية ومعركة مؤجلة
لا يقتصر المشهد على دارفور وحدها؛ ففي شمال كردفان، يتحرك الجيش لتأمين مدينة الأبيض وسط حفر «الدعم السريع» للخنادق وقطع الطرق القومية. زيارة الفريق شمس الدين الكباشي، نائب القائد العام، جاءت كإشارة واضحة إلى أن معركة كردفان على وشك الدخول مرحلة جديدة. فالتعزيزات الكبيرة، والتلاحم مع الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش، تكشف أن القيادة العسكرية تراهن على قلب موازين القوى، ولو على حساب اتساع رقعة الحرب وتفاقم كلفتها البشرية والسياسية.
«الدعم السريع» تحذّر… والخيارات مفتوحة
في المقابل، أعلنت «الدعم السريع» التعبئة العامة في صفوف مقاتليها، مؤكدة أنها مستعدة لفتح سيناريوهات مواجهة «حاسمة» إذا قرر الجيش خوض مغامرة عسكرية جديدة. ووجودها المتقدم قرب مدينة الأبيض يعكس أن الصراع لم يعد محصورًا في دارفور فقط، بل يتمدد نحو عمق السودان الأوسط، ما يهدد بانزلاق البلاد إلى حرب استنزاف طويلة لا يملك أحد ضمان مآلاتها.
كارثة ترسين… المأساة الأخرى
وفي ظل الحرب، تتوالى الكوارث الطبيعية لتفاقم الوضع المأساوي. فقد تسبب الانزلاق الأرضي في قرية ترسين بجبل مرة بمصرع العشرات، بينما تكافح منظمات الإغاثة للوصول إلى المنطقة الوعرة بعد ساعات طويلة من السير مشيًا وعلى الدواب. وصول مساعدات محدودة من مؤسسات دولية لم يغير كثيرًا من واقع الناجين، الذين يعيشون في خوف دائم من تكرار المأساة.







