في خطوة لافتة تحمل دلالات سياسية وأمنية معقّدة، أعلنت الفصائل العراقية المسلحة، التي تُطلق على نفسها اسم «المقاومة الإسلامية في العراق»، فجر اليوم الأربعاء، تعليق جميع عملياتها العسكرية داخل العراق وفي محيطه الإقليمي لمدة أسبوعين، دون تقديم تفاصيل إضافية حول أسباب هذا القرار أو ما قد يليه.
وجاء الإعلان عبر بيان مقتضب، اكتفى بتحديد مدة التوقف، ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن خلفيات هذه الخطوة، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الماضية على خلفية المواجهة الإيرانية الأميركية.
تصعيد غير مسبوق قبل التهدئة
ويأتي القرار بعد موجة من العمليات العسكرية المكثفة التي نفذتها تلك الفصائل، تزامناً مع ذروة التصعيد بين واشنطن وطهران، حيث شنت مئات الهجمات باستخدام الطائرات المُسيّرة والصواريخ، مستهدفة مواقع عسكرية ومنشآت حيوية داخل العراق وخارجه.
وشملت أبرز الأهداف قاعدة «فيكتوريا» في مطار بغداد الدولي، والتي تُستخدم للدعم اللوجستي للقوات الأميركية
الثكنات العسكرية في مطار أربيل، وقاعدة حريري في إقليم كردستان، ومبنى السفارة الأميركية في بغداد، ومقار الأحزاب الإيرانية المعارضة في أربيل والسليمانية، ومنشآت نفطية داخل العراق وبعض دول المنطقة.
ووضع هذا التصعيد العراق في قلب المواجهة غير المباشرة بين واشنطن وطهران، وأثار مخاوف من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع.
رسائل تهدئة أم ضغوط سياسية؟
ويرى مراقبون أن قرار تعليق العمليات قد يعكس محاولة لالتقاط الأنفاس أو إعادة ترتيب الصفوف، خاصة بعد الضربات المتبادلة التي شهدتها المنطقة. كما قد يكون جزءاً من تفاهمات غير معلنة لخفض التصعيد، سواء على المستوى الإقليمي أو عبر قنوات دولية.
وفي المقابل، لا يُستبعد أن تكون الخطوة نتيجة ضغوط داخلية من الحكومة العراقية، التي تجد نفسها في موقف حرج بين الحفاظ على سيادتها ومنع استخدام أراضيها كساحة صراع، وبين التعامل مع نفوذ هذه الفصائل على الأرض.
وحتى الآن لم تصدر الحكومة في بغداد تعليقاً رسمياً على قرار الفصائل العراقية، إلا أن التوقيت يشير إلى حساسية المرحلة، خصوصاً مع تزايد الضغوط الدولية على العراق لضبط الأوضاع الأمنية ومنع استهداف المصالح الأجنبية.
ويُنظر إلى هذه الهدنة المؤقتة كفرصة للحكومة لإعادة فرض السيطرة، أو على الأقل لاحتواء التوترات ومنع مزيد من التصعيد الذي قد يهدد الاستقرار الداخلي.
ويبقى السؤال الأهم: هل تمثل هذه الخطوة بداية لمسار تهدئة طويل، أم أنها مجرد استراحة قصيرة تسبق جولة جديدة من التصعيد؟
الإجابة ستعتمد على عدة عوامل، أبرزها مسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران خلال الفترة المقبلة، وقدرة الحكومة العراقية على إدارة التوازنات الداخلية، وطبيعة التفاهمات غير المعلنة إن وُجدت.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو احتواء التوتر، أم نحو تصعيد جديد قد يكون أكثر حدة واتساعاً.




