كشفت تقارير إعلامية عربية أن القاهرة قررت خفض مستوى التنسيق مع إسرائيل إلى حين إشعار آخر، وذلك على خلفية الغارة الإسرائيلية التي استهدفت مجمعاً في العاصمة القطرية الدوحة، حيث كان يعقد اجتماع لعدد من قادة حركة “حماس”. هذا القرار يمثل تحوّلاً لافتاً في سلوك مصر، التي لطالما حافظت على قناة اتصال أمنية مستمرة مع تل أبيب مهما بلغت حدة التوترات. الجديد هنا أن القاهرة ربطت مباشرة بين الضربة في الدوحة وبين تهديد جهود الوساطة التي تلعب فيها دوراً محورياً منذ اندلاع الحرب في غزة.
إدانة مصرية حادة تتجاوز الدبلوماسية التقليدية
بيان الرئاسة المصرية لم يكتفِ بالتعبير عن “الاستنكار”، بل ذهب إلى أبعد من ذلك واعتبر الهجوم “انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والسيادة القطرية” و”سابقة خطيرة” قد تنسف أي إمكانية للتهدئة. هذا التصعيد اللفظي في الخطاب يعكس إدراك القاهرة أن استهداف قادة حماس في عاصمة دولة شريكة في الوساطة – وهي قطر – يضع مصر أمام معضلة مزدوجة: من جهة، تفقد جهودها المصداقية أمام الطرف الفلسطيني إذا لم تُبدِ موقفاً صارماً، ومن جهة أخرى، تجد نفسها مضطرة لمراجعة علاقتها العملية مع إسرائيل، ولو بشكل مؤقت، كي تؤكد أنها ليست مجرد وسيط “مستأنس”.
وساطة في مهب الريح
الغارة الإسرائيلية جاءت في توقيت حساس، إذ كان الاجتماع المستهدَف يضم قيادات بارزة في حماس، بينهم خليل الحية، في إطار محادثات وقف إطلاق النار. ما يعني أن العملية لم تكن مجرد استهداف عسكري، بل ضربة سياسية مباشرة لجهود الوساطة التي تبذلها كل من قطر ومصر بدعم أميركي. من هنا، يظهر القرار المصري بخفض التنسيق كخطوة دفاعية لحماية دورها في الوساطة، ورسالة لإسرائيل بأن تجاوز الخطوط الحمراء يهدد استمرار هذه القنوات.
تضامن مع قطر أم حماية للوساطة؟
الموقف المصري تضمّن أيضاً إعلان تضامن كامل مع قطر، قيادةً وشعباً. لكن القراءة الأعمق تشير إلى أن القاهرة لم ترد فقط مجاملة الدوحة، بل أرادت تثبيت معادلة جديدة: أي اعتداء على قطر باعتبارها شريكاً في الوساطة هو اعتداء غير مباشر على مصر نفسها. بهذا المعنى، القاهرة تحاول حماية الدور الوسيط من التفكك، لأن فقدان الثقة بين الوسطاء سيعني انهيار أي مسار تفاوضي، وهو ما لا تريده مصر التي تسعى للحفاظ على صورتها كـ”الضامن الأساسي” لأي اتفاق يتعلق بغزة.
تداعيات على الاستقرار الإقليمي
قرار القاهرة بخفض التنسيق الأمني مع إسرائيل لا يُقرأ فقط في سياق رد الفعل على عملية محددة، بل في إطار أوسع يتعلق باستقرار المنطقة. فاستمرار التصعيد الإسرائيلي، سواء في غزة أو خارجها، يضع مصر أمام خطر حقيقي على حدودها الشرقية. أي انهيار شامل في القطاع قد يؤدي إلى تدفق غير مسبوق للاجئين، فضلاً عن تهديدات أمنية مباشرة. لذلك، ترى القاهرة أن حماية الوساطة ليست ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة أمن قومي.
معادلة جديدة في الأفق
يبقى السؤال: هل هو مجرد خفض تنسيق تكتيكي، أم بداية لتحول أعمق في علاقة مصر بإسرائيل؟ حتى الآن، المؤشرات توحي بأن القاهرة لا تريد قطع الاتصالات نهائياً، لكنها تستخدم هذا الخفض كأداة ضغط لإعادة ضبط قواعد اللعبة. الرسالة إلى تل أبيب واضحة: التصرفات الأحادية التي تتجاوز الوسطاء لن تمر بلا ثمن. وفي الوقت نفسه، تسعى مصر للحفاظ على قنواتها مفتوحة مع واشنطن والدوحة، لتجنب تهميشها في ملف غزة.






