تشهد الضفة الغربية والقدس المحتلة، وقائع ميدانية لا تقل خطورة، عن ما يحدث في قطاع غزة، لكنها تجري بوتيرة متدرجة وتحت غطاء الانشغال الدولي. لم يعد المشهد مقتصرًا على توسع استيطاني تقليدي أو إجراءات أمنية ظرفية، بل يتخذ طابعًا بنيويًا يعيد صياغة العلاقة بين الاحتلال والأرض والسكان، عبر مزيج من التشريعات الجديدة، وتوسيع صلاحيات ما يسمى بـ«الإدارة المدنية»، وتكثيف سياسات الهدم والإغلاق والمصادرة.
في القدس، تغلق مقار وجمعيات، وتشدد القيود على البناء، وتكثف المشاريع الاستيطانية في محيط المدينة، ليست خطوات معزولة، بل حلقات ضمن استراتيجية تهدف إلى تكريس واقع دائم، تتآكل فيه الحدود الفاصلة بين الاحتلال والضم الفعلي، ويبرز في هذا السياق المخطط الجديد لتوسيع مستوطنة آدم شمال القدس وربطها بمستوطنات قائمة مثل نافيه يعقوب، بما يخلق تواصلاً جغرافيًا يعمّق السيطرة الإسرائيلية إلى ما وراء خط عام 1967.
استهداف المؤسسات الوطنية
في الضفة الغربية، تمتد السياسات ذاتها إلى المناطق المصنفة «أ» و«ب»، التي كان يفترض أن تخضع لإدارة مدنية فلسطينية بموجب اتفاق أوسلو، لكن القرارات الأخيرة توسّع نطاق التدخل الإسرائيلي فيها تحت عناوين «حماية الآثار والبيئة والمياه». وبهذا، يجري تحويل أدوات القانون والإدارة إلى وسائل لإعادة توزيع السيطرة على الأرض، وفرض وقائع يصعب الطعن بها لاحقًا، خصوصًا في ظل مساعٍ لتسجيل الأراضي في السجلات الإسرائيلية بما يحصّنها قانونيًا من أي اعتراض مستقبلي.
ضمن آخر الاعتداءات التي أعقبت إخلاء بالجملة لبيوت فلسطينية في حي سلوان المقدسي أفادت محافظة القدس بأن قوات الاحتلال اقتحمت مقر جمعية اللقلق في البلدة القديمة من القدس، وسلمت إدارتها قراراً بإغلاقه لمدة ستة أشهر، قبل أن تُقدم على إغلاق أبواب المقر باللحام وتمنع الدخول إليه بذريعة أنها تلقت دعما من السلطة الفلسطينية من أجل تمويل «زينة رمضان».
واعتبرت محافظة القدس أن قرار قوات الاحتلال الإسرائيلي إغلاق مقر الجمعية، يشكّل تصعيدًا خطيرًا في سياسة استهداف المؤسسات الوطنية المقدسية، وضربة مباشرة لحق أبناء المدينة في الحياة الكريمة، والتنمية المجتمعية، والمساحات الآمنة للأطفال والشباب. حسب القدس العربي.
تفريغ البلدة القديمة
وأكدت المحافظة أن جمعية برج اللقلق، التي تأسست عام 1991 على أراضٍ ملاصقة للسور التاريخي للبلدة القديمة وبمساحة تقارب 9.5 دونمات – وهي ثاني أكبر مساحة مفتوحة داخل أسوار البلدة بعد المسجد الأقصى المبارك – ليست مجرد مركز خدماتي، بل عنوان صمود مقدسي نشأ أصلًا لحماية الأرض من مخطط استعماري كان يستهدف إقامة 240 وحدة استعمارية، قبل أن تتصدى له شخصيات وطنية مقدسية عبر التواجد الميداني والفعاليات الشعبية حتى تثبيت الملكية لعائلات مقدسية.
وشددت محافظة القدس على أن هذا الإغلاق التعسفي يأتي في سياق هجمة ممنهجة تستهدف تفريغ البلدة القديمة من مضمونها الفلسطيني، وتجفيف منابع العمل الأهلي، ومحاصرة أي فضاء يحافظ على الهوية الوطنية للمدينة، لافتة إلى أن الجمعية سبق أن تعرضت لمداهمات متكررة، ومنع لأنشطة رياضية جامعة للعائلات المقدسية، ومحاولات خنق مالي نتيجة رفضها التمويل المشروط.
وحملت المحافظة سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذا القرار، مطالبة المجتمع الدولي، ومؤسسات حقوق الإنسان، والأمم المتحدة، بالتحرك العاجل لوقف استهداف المؤسسات المقدسية، وضمان حرية عملها، وحماية حق سكان القدس في التعليم والترفيه والخدمات المجتمعية. وخلصت محافظة القدس بالتأكيد على أن إغلاق برج اللقلق لن ينجح في كسر إرادة المقدسيين، وأن العمل الأهلي الوطني سيبقى ركيزة أساسية في معركة الصمود، داعية إلى أوسع حملة تضامن محلية ودولية لإعادة فتح المركز فورًا، وضمان استمرار رسالته الإنسانية والوطنية.
توسيع نطاق سيطرة الاحتلال
هذا المخطّط من شأنه أن يؤدّي إلى توسيع نطاق سيطرة بلدية القدس التابعة للاحتلال إلى ما وراء خط عام 1967، وذلك عبر خلق اتصال جغرافي بين الوحدات الاستيطانية الجديدة ومستوطنات قائمة بالفعل في القدس، وتحديداً تلك التي يسكنها الحريديم في نافيه يعقوب، علماً أن طريق الوصول إلى الحيّ الجديد سينطلق من هذه الأخيرة ويعود إليها. ووفقاً للقرار، سيُقام الحيّ على أراضٍ قريبة من مستوطنة آدم، في حين لا تربطه بنافيه يعقوب حالياً أيّ طرق مباشرة، رغم طرح إنشاء جسر يربط بينهما. حسب تصريحات الخبير الفلسطيني بالاستيطان والتهويد خليل تفكجي لـ”القدس العربي”.
ويأتي المخطّط الجديد في سياق قرارات أوسع وأشمل، عنوانها الضمّ السياسي والأمني للضفة والقدس، صدّقت عليها حكومة الاحتلال في شباط الجاري. ويوضح تفكجي أن هذه القرارات تستهدف توسيع نطاق عمل جهات الإنفاذ التابعة للإدارة المدنية، ليشمل المناطق المُصنّفة «أ» و«ب»، والتي تشكّل 40 في المئة من مساحة الضفة الغربية، وتخضع لإدارة مدنية فلسطينية بموجب اتفاق أوسلو.
وبموجب القرارات الجديدة، بات في وسع إسرائيل، تحت عناوين حماية مواقع التراث والآثار والبيئة والمياه، إصدار أوامر بهدم أو وقف البناء في مكان ترى أنه يضرّ بموقع أثري، أو بالبيئة، أو يخالف أنظمة المياه، وهو ما كان يعمل به فقط في المناطق «ج» الخاضغة للسيطرة الإدارية والأمنية للاحتلال، وفقاً للاتفاقية ذاتها.
هدم المنازل وإطلاق الرصاص الحي
وباتت الاعتداءات الإسرائيلية من نصيب كافة المدن والأرياف الفلسطينية داخل الضفة الغربية ولا تتورع سلطات الاحتلال عن الهدم من آخرها في بلدة السيلة الحارثية غرب جنين، حيث هدمت جرافات الاحتلال منزل الشهيد رأفت دواسة المكوّن من ثلاثة طوابق بعد إخلاء العائلات من المنازل المجاورة. وأفادت مصادر محلية بأن قوات الاحتلال اقتحمت البلدة بالتزامن مع إطلاق الرصاص الحي تجاه طلبة المدارس.
كما أغلقت مداخلها من جهة بلدة اليامون برفقة مدرعات عسكرية. وكانت سلطات الاحتلال أخطرت عائلة دواسة في تشرين الأول/أكتوبر الماضي بنيتها هدم المنزل، فيما استشهد دواسة في 18 آب/أغسطس 2024 إثر قصف مركبة كان يستقلها وسط جنين. وفي نابلس، شرعت قوات الاحتلال بهدم منزل المواطن ياسر الصابر في منطقة التعاون العلوي، بحجة البناء في المنطقة المصنفة «ج»، رغم تأكيد العائلة أن الخرائط تظهر وقوع المنازل ضمن المنطقة «ب».




