في السادس عشر من آب/أغسطس الماضي، شهدت مدينة القدس حادثة مأساوية هزّت الشارع الفلسطيني، بعد أن استشهد الشابان المقدسيان بهاء شويكي وأمين زعرور من حي الثوري. فقد تركتهما قوات الاحتلال البحرية يغرقان في بحر يافا، رافضة تقديم أي مساعدة لإنقاذهما. بل إن أحدهما قضى متأثراً بجراح خطيرة بعدما أصابته شفرات مراوح قارب الاحتلال.
الحادثة لم تقتصر على فقدان حياتهما، بل خلفت إصابات أخرى في صفوف أقاربهما، لتتحول المأساة إلى جرح مضاعف، يعكس قسوة الإجراءات الإسرائيلية حتى في المواقف الإنسانية البحتة.
شهر دموي وإصابات متفرقة
لم يكن غرق الشابين سوى جزء من سلسلة اعتداءات شهدتها القدس وضواحيها طوال شهر آب/أغسطس. فقد أصيب عشرات الفلسطينيين برصاص الاحتلال أو تحت عجلات مركبات الشرطة، في مشهد يؤكد أن المدنيين الفلسطينيين أصبحوا هدفاً مباشراً في شوارع المدينة وحواجزها.
الحصيلة شملت إصابة شاب في القدم في قرية بيت دقو، وآخر في الرأس في بلدة الرام، إضافة إلى طفل دهسته مركبة شرطة الاحتلال في حي العيساوية. ومع كل هذه الحوادث، تزايد القلق الشعبي والحقوقي من أن القدس باتت ساحة مفتوحة لانتهاكات ممنهجة تطال جميع الفئات، خاصة الأطفال والشباب.
اقتحامات الأقصى.. ذروة غير مسبوقة
لكن الحدث الأبرز في الشهر الماضي كان الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى، والتي وصلت إلى ذروتها منذ احتلال المدينة عام 1967. فقد بلغ عدد المقتحمين 8633 مستوطناً خلال آب/أغسطس وحده، متجاوزين مجموع شهري حزيران/يونيو وتموز/يوليو مجتمعين.
يوم “ذكرى خراب الهيكل” المزعوم شكّل محطة فارقة، إذ شهد اقتحام نحو 3969 مستوطناً في يوم واحد، وهو رقم غير مسبوق. وخلال هذه الاقتحامات، لم يتردد المستوطنون في أداء طقوس توراتية علنية، بما في ذلك النفخ في البوق، إقامة حفلات زفاف وبلوغ داخل ساحات الأقصى، وحتى ارتداء لفائف “التيفلين” في مشهد استفزازي متكرر.
شعائر علنية وتواطؤ رسمي
تجلت خطورة المشهد أكثر مع مشاركة شخصيات سياسية إسرائيلية رفيعة في هذه الاقتحامات، أبرزهم وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي دخل الأقصى برفقة وزراء وأعضاء كنيست. المستوطنون ارتدوا “التيفلين” و”شال الطاليت”، وأدوا صلوات علنية مثل “بركة الكهنة” و”صلاة الشماع”، فيما علت الأهازيج والأغاني القومية داخل باحات الأقصى.
شرطة الاحتلال لعبت دور الحامي للمستوطنين، حيث أغلقت أبواب المسجد وحاصرت المصلين الفلسطينيين، واعتقلت ثلاثة من حراس المسجد، بينما سُمح للمستوطنين بإقامة طقوسهم حتى على أبواب الأسباط والحديد والقطانين والغوانمة.
قراءة في المشهد العام
آب/أغسطس الماضي لم يكن شهراً عادياً في القدس. فقد اجتمع فيه القمع المباشر عبر الرصاص والدهس والغرق، مع مشروع تهويد متسارع يستهدف المسجد الأقصى بشكل غير مسبوق. ما جرى عكس بوضوح استراتيجية إسرائيلية تقوم على فرض الأمر الواقع: تحويل الأقصى إلى ساحة طقوس دينية يهودية، وتهميش الحضور الفلسطيني فيه بالقوة.
المشهد العام ينذر بتصعيد أشد في الأشهر المقبلة، خاصة مع تزايد جرأة المستوطنين وتواطؤ مؤسسات الاحتلال، فيما يبقى سكان القدس في مواجهة مباشرة مع سياسات تهويدية ممنهجة، واعتداءات يومية تحاول أن تدفعهم خارج معادلة المدينة ومقدساتها.




