أقر الكنيست الإسرائيلي، مساء الأربعاء، في قراءة أولى، مشروع قانون يقضي بزيادة الإنفاق الحكومي بأكثر من 30 مليار شيكل لتغطية ما سُمّي بـ”ميزانية الحرب”. هذه الزيادة ترفع ميزانية الدولة لعام 2025 إلى 786.7 مليار شيكل، منها 578.8 مليار كنفقات عادية، و207.9 مليار لبنود التطوير والرأسمال.
وبموجب التعديل الجديد، ستُخصص 30.8 مليار شيكل إضافية لوزارة الأمن وصناديق التأمين الوطني ومصادر أخرى مرتبطة بالنفقات الأمنية، بما في ذلك مدفوعات فوائد وعمولات. المذكرة المرفقة بالقانون أوضحت أن القرار يأتي استنادًا إلى مصادقة الحكومة في 19 أغسطس الماضي على تعديل الأطر المالية، استجابة لتصاعد التحديات العسكرية، سواء في غزة أو في المواجهة مع إيران.
انقسامات داخل الائتلاف
التصويت مرّ بأغلبية 42 مقابل 37، لكن الانقسامات داخل أحزاب الائتلاف، خصوصًا بين “شاس” و”يهدوت هتوراه”، ألقت بظلالها على المشهد السياسي. فقد دعم نواب “شاس” التعديل المالي، بينما تغيب أو امتنع نواب “يهدوت هتوراه”، في خطوة وُصفت بأنها “امتناع استعراضي” بإيعاز من المرجع الديني الحاخام دوف لاندو، احتجاجًا على عدم التزام الحكومة بتعهداتها بشأن قانون الإعفاء من التجنيد لليهود الحريديم.
هذا الانقسام يعكس استمرار التوتر داخل الحكومة، خصوصًا في ظل تهديد “يهدوت هتوراه” بالانسحاب الكامل من الائتلاف، على غرار الخطوة التي اتخذها حزب شاس جزئيًا. ورغم ذلك، يظل الحزبان الحريديان عنصرًا حاسمًا في موازين التصويت، ما يمنحهما قدرة على ابتزاز الحكومة مقابل مكاسب سياسية وتشريعية.
دور القيادة الدينية في القرار السياسي
الموقف المتردد لنواب “يهدوت هتوراه” يوضح بجلاء حجم نفوذ المرجعيات الدينية في القرار السياسي داخل التيار الحريدي. فقد أعلن الحاخام لاندو بشكل مباشر أنه أوعز للنواب بالامتناع عن التصويت في المرحلة الأولى، فيما ترك القرار بشأن المراحل التالية رهنًا لتوجيهات كبار الحاخامات. هذا النمط يبرز العلاقة المركبة بين الدين والسياسة في إسرائيل، حيث تُدار مواقف الكتل الحريدية على ضوء فتاوى واعتبارات دينية أكثر من ارتباطها بحسابات الائتلاف الحكومي أو المصلحة العامة.
تداعيات سياسية واقتصادية
رغم تمرير القراءة الأولى، إلا أن مستقبل “ميزانية الحرب” يبقى مرهونًا بالتطورات داخل الائتلاف. استمرار الخلاف مع “يهدوت هتوراه” قد يعرقل التصويت النهائي، خصوصًا إذا لم تقدم الحكومة تنازلات ملموسة بشأن قانون التجنيد أو قضايا تمويل المؤسسات الدينية والتعليمية.
اقتصاديًا، يشكل التوسع في الإنفاق الأمني عبئًا إضافيًا على الموازنة، خاصة مع تخصيص 30.8 مليار شيكل إضافي في وقت تواجه فيه إسرائيل تباطؤًا اقتصاديًا وارتفاعًا في معدلات التضخم. التحدي الأكبر للحكومة سيكون إقناع الرأي العام بأن هذه الزيادة ضرورية للأمن القومي، مقابل الانتقادات التي ترى أنها تعكس هيمنة المؤسسة الأمنية على أولويات الدولة على حساب الخدمات الاجتماعية والاقتصاد المدني.
مشهد معقد في الكنيست
التصويت الأخير لم يكن مجرد خطوة تقنية لتعديل الموازنة، بل كشف هشاشة الائتلاف الحكومي وتناقضاته الداخلية. فبينما تحاول الحكومة إظهار وحدة في مواجهة التحديات العسكرية، تكشف المواقف المتباينة للأحزاب الحريدية عن صعوبة الحفاظ على تماسك سياسي طويل الأمد. ومع تصاعد الحرب في غزة والتهديدات المتزايدة من إيران، تبدو إسرائيل أمام معادلة صعبة: كيف توازن بين متطلبات الأمن الضخمة وضغوط السياسة الداخلية التي قد تفجر الحكومة من الداخل؟






