يتجه المشهد السياسي العراقي إلى مزيد من التعقيد مع اتساع دائرة الخلافات داخل “إطار التنسيق”، الائتلاف الذي يضم القوى الشيعية الرئيسية ويمسك بمفاصل السلطة التنفيذية والتشريعية. الجدل المتصاعد حول استمرار ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة لم يعد تفصيلا داخليا يمكن احتواؤه بتسوية تنظيمية، بل تحول إلى عقدة سياسية تتداخل فيها الحسابات المحلية مع ضغوط إقليمية ودولية، في توقيت حساس تعيش فيه البلاد هشاشة اقتصادية وأمنية تجعل من اختيار رئيس الوزراء مسألة مفصلية لمسار الاستقرار السياسي.
ترشيح المالكي كنقطة تفجير للخلافات
الاعتراضات المتزايدة داخل إطار التنسيق على إعادة طرح اسم المالكي تعكس انقساما أعمق من مجرد منافسة على المنصب. فداخل الائتلاف نفسه تتقاطع قراءات متباينة لمرحلة ما بعد الاستحقاقات السياسية المقبلة، بين من يرى أن إعادة إنتاج الوجوه التقليدية ستفاقم أزمات الثقة مع الشارع، ومن يعتبر أن أي تغيير جذري في القيادة قد يخل بتوازنات دقيقة داخل البيت الشيعي. هذا التباين حوّل ترشيح المالكي إلى اختبار لمرونة الإطار وقدرته على إدارة خلافاته دون تفكك، خصوصا مع تزايد الأصوات التي تطالب بمرشح “توافقي” قادر على تخفيف الاحتقان الداخلي وإعادة ضبط العلاقة مع الفاعلين الخارجيين.
الضغط الأميركي وإعادة حسابات الداخل
لم تعد الخلافات محصورة في حسابات القوى الشيعية الداخلية أو موازين الربح والخسارة الانتخابية، بل بات الموقف الأميركي عاملا ضاغطا في خلفية المشهد. الإشارات الصادرة عن واشنطن برفض ترشيح المالكي، وما يتردد عن احتمال اللجوء إلى أدوات ضغط سياسية أو اقتصادية، دفعت أطرافا داخل الإطار إلى إعادة تقييم كلفة المضي في هذا الخيار. هذا المعطى يضع القوى الحاكمة أمام معادلة معقدة: الحفاظ على تماسك التحالف الداخلي من جهة، وتجنب مواجهة مفتوحة مع المجتمع الدولي من جهة أخرى. في هذا السياق، يصبح الخلاف على اسم رئيس الوزراء انعكاسا لصراع أوسع حول حدود الاستقلال في القرار السياسي العراقي، وإلى أي مدى يمكن عزل الاستحقاقات الداخلية عن موازين القوى الخارجية.
المقاطعة كرسالة سياسية
مقاطعة المالكي لاجتماعات قادة الإطار في الأسابيع الأخيرة لم تكن خطوة بروتوكولية، بل رسالة سياسية تعكس حجم التوتر داخل الائتلاف. امتناعه عن المشاركة جاء احتجاجا على إعادة فتح ملف استبداله ومناقشة أسماء بديلة تحظى بقبول داخلي وإقليمي ودولي أوسع. هذه الخطوة عمّقت أزمة الثقة داخل الإطار، إذ بدت وكأنها تؤكد أن الخلاف لم يعد قابلا للاحتواء عبر القنوات التنظيمية المعتادة. ومع تحول الاجتماعات من منصات تنسيق إلى ساحات تجاذب، يتراجع هامش التوافق ويزداد خطر انتقال الانقسام من مستوى النخب إلى القواعد الحزبية، بما يهدد وحدة التحالف على المدى المتوسط.
صراع رؤى حول شكل المرحلة المقبلة
الخلافات داخل إطار التنسيق لا تدور حول الأشخاص فقط، بل تمتد إلى تصور المرحلة المقبلة وطبيعة القيادة المطلوبة لإدارتها. جزء من القوى يرى أن العراق يحتاج إلى رئيس وزراء بملف علاقات خارجية أقل تصادمية وقدرة أكبر على إدارة التوازنات الإقليمية والدولية، في ظل اقتصاد هش وتحديات أمنية لم تُحسم بالكامل. في المقابل، تتمسك أطراف أخرى بخطاب “الاستمرارية” بوصفه ضمانة لعدم تفكك مراكز النفوذ داخل السلطة. هذا التباين في الرؤى عطّل آليات الحوار الداخلي، وأضعف قدرة الإطار على بلورة موقف موحد، ما يعكس أزمة قيادة جماعية أكثر من كونه خلافا ظرفيا على اسم بعينه.
اختبار تماسك التحالف الحاكم
تحذيرات شخصيات سياسية من أن استمرار الانقسام قد يترك أثرا سلبيا على وحدة إطار التنسيق ليست مجرد تقديرات نظرية. فكلما طال أمد الخلاف، تقلصت فرص الوصول إلى تسوية تحفظ ماء وجه الأطراف المختلفة. اختبار التماسك لا يقتصر على القدرة على الاتفاق على اسم رئيس الوزراء، بل يمتد إلى قدرة التحالف على إنتاج صيغة حكم قابلة للاستمرار في بيئة إقليمية مضطربة وضغوط اقتصادية متزايدة. الفشل في إدارة هذا الخلاف قد ينعكس شللا في عملية تشكيل الحكومة المقبلة، ويعيد فتح الباب أمام سيناريوهات عدم الاستقرار السياسي التي عرفها العراق في مراحل سابقة.
تبدو انقسامات إطار التنسيق مؤشرا على مرحلة انتقالية داخل المشهد السياسي العراقي، حيث لم يعد التوافق التقليدي كافيا لضبط إيقاع السلطة. ومع تداخل الضغوط الخارجية مع حسابات الداخل، يتحول الصراع على رئاسة الحكومة إلى مرآة لأزمة أعمق تتعلق بكيفية إدارة التعدد داخل التحالف الحاكم، وحدود قدرته على التكيف مع متغيرات محلية ودولية تفرض إعادة تعريف قواعد اللعبة السياسية في العراق.




