يُمثل افتتاح المتحف المصري الكبير في القاهرة حدثاً عالمياً فريداً يتجاوز حدود الثقافة والآثار إلى فضاءات أوسع من الدبلوماسية الحضارية وبناء القوة الناعمة لمصر في القرن الحادي والعشرين. فالمتحف، الذي يقف على أعتاب أهرامات الجيزة شامخاً كأكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة، لا يُعد مجرد مشروع أثري، بل هو إعلان مصري جديد عن عودة مركز الثقل الثقافي إلى أرض الحضارة الأولى.
إن مشاركة 79 وفداً دولياً، من بينهم 39 وفداً برئاسة ملوك وأمراء ورؤساء دول وحكومات، تعكس إدراك العالم العميق لمكانة مصر التاريخية ودورها الثقافي الممتد عبر العصور. الحضور الدولي الكثيف لا يُقرأ فقط في سياق التقدير للحضارة المصرية القديمة، بل يُمثل كذلك اعترافاً بدور مصر الحديث كدولة استطاعت أن تُحوّل تراثها إلى أداة دبلوماسية فعالة، تُعيد من خلالها صياغة صورتها على خريطة الثقافة العالمية وتُعزّز من نفوذها الرمزي في العالم.
رسائل من خطاب السيسي
الخطاب الذي أطلقه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، صباح يوم الافتتاح، السبت 1 نوفمبر، جاء ليؤكد هذه الفلسفة؛ فالمتحف في رؤيته ليس فقط بيتاً للآثار بل رسالة إنسانية تحمل قيم السلام ووحدة الشعوب. هذا البعد الخطابي يعكس اتجاهاً واضحاً لدى الدولة المصرية نحو توظيف التاريخ كوسيلة للسلام الثقافي وتعزيز التواصل الحضاري بين الأمم، في وقت تتعاظم فيه التحديات السياسية والنزاعات العالمية التي تهدد قيم التعايش.
من الناحية الاقتصادية، يمثل المتحف المصري الكبير نقطة تحول في استراتيجية الدولة لربط الثقافة بالسياحة والتنمية. فالمتحف الذي يمتد على أكثر من 300 ألف متر مربع، ويضم أكثر من مئة ألف قطعة أثرية من عصور مختلفة، يهدف إلى إعادة رسم خريطة السياحة الثقافية، وتحويل منطقة الأهرامات إلى مركز جذب عالمي، يدمج بين المتعة البصرية والمعرفة التاريخية والاستثمار المستدام. كما أن إدماج التكنولوجيا الحديثة في العرض المتحفي يجعله جسراً بين عبقرية الماضي وابتكار الحاضر، في صياغة جديدة لرسالة مصر الحضارية للعالم.
دلالة سياسية عميقة
على المستوى الدولي، يمثل المتحف المصري الكبير نموذجاً للتعاون الثقافي العابر للقارات، تجلى في الشراكة المصرية اليابانية من خلال وكالة التعاون الدولي (جايكا)، التي أسهمت في التمويل والخبرة التقنية. هذه الشراكة تُبرز قدرة مصر على بناء علاقات ثقافية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وتُظهر أن الحضارة يمكن أن تكون لغة للتفاهم الدولي بقدر ما هي مصدر فخر وطني.
أما على الصعيد الرمزي، فإن افتتاح المتحف في هذا التوقيت يحمل دلالة سياسية عميقة. فمصر، التي استطاعت أن تتجاوز تحديات داخلية وإقليمية متعددة خلال العقد الأخير، تعود اليوم لتُقدم للعالم نموذجاً مختلفاً للقوة، ليس بالقوة العسكرية أو السياسية، بل بقوة الثقافة والتراث والهوية. بهذا المعنى، يصبح المتحف المصري الكبير مشروعاً وطنياً جامعاً يكرّس مفهوم “الدولة الحضارية” التي تستمد شرعيتها من عمقها التاريخي وقدرتها على التحديث في آن واحد.
الاستثمار في الثقافة
كما أن المشهد الدولي المصاحب للافتتاح – من حضور قادة دول ومنظمات إقليمية ودولية إلى مشاركة رمزية للأمم المتحدة وتحالف الحضارات – يُعزز صورة مصر كمنصة للحوار بين الثقافات، ويمنح المتحف بعداً إنسانياً يجعل منه أكثر من مجرد مؤسسة أثرية، بل “قِبلة حضارية” جديدة تذكّر العالم بأن مصر كانت، وما تزال، قلب التاريخ الإنساني النابض.
لا يُعد افتتاح المتحف المصري الكبير حدثاً ثقافياً فحسب، بل يمثل ذروة مشروع وطني طويل الأمد لاستعادة الدور المصري في قيادة المشهد الثقافي العالمي. إنه إعلان عن ولادة مرحلة جديدة تُعيد تعريف علاقة مصر بتراثها وبالعالم، وتؤكد أن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في الاستقرار والهوية والمستقبل. بهذا المعنى، يقف المتحف المصري الكبير اليوم شاهداً على أن الحضارة ليست ماضياً يُعرض في قاعات مغلقة، بل رؤية تتجدد وتُبنى لتصنع الغد.







