يبدو أن تصريحات رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح بشأن ما يجري في قرية بيرين شرق الخليل، تحمل أبعاداً سياسية وقانونية خطيرة تعكس طبيعة الصراع القائم في الضفة الغربية. فتوح وصف ما يحدث من نصب بيوت متنقلة وتوزيعها على ثلاث بؤر استيطانية جديدة التهمت أكثر من 6400 دونم من أراضي الخليل وبني نعيم، بأنه جريمة حرب ممنهجة تهدف إلى تمزيق الضفة الغربية وفرض وقائع جديدة غير شرعية. هذه الإشارة تضع الممارسات الإسرائيلية في إطار سياسة استراتيجية، لا باعتبارها اعتداءات فردية أو معزولة، وإنما كجزء من خطة متكاملة ترمي إلى الضم الفعلي وتهويد الأرض.
الاستيطان والتعطيش
يستند الموقف الفلسطيني إلى قراءات متراكمة لواقع الاستيطان في الضفة الغربية، إذ أن نصب البيوت المتنقلة في بؤر استيطانية جديدة هو الأسلوب الذي اعتمدته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لترسيخ وجود استيطاني تدريجي، يبدأ ببؤرة صغيرة ثم يتوسع حتى يتحول إلى مستوطنة قائمة بحماية الجيش. لذلك يربط فتوح بين هذه التحركات وبين ما يجري من اعتداءات على المزارعين وتخريب المزروعات والآبار وشق الطرق بالقوة، باعتبارها آليات عملية لتوسيع المشروع الاستيطاني على الأرض.
اللافت في التصريحات هو الربط بين ما يحدث في الضفة الغربية وما يتعرض له قطاع غزة من إبادة وتهجير قسري. هذا الربط يطرح رؤية فلسطينية ترى أن السياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة ليست متفرقة أو متناقضة، وإنما هي جزء من استراتيجية موحدة هدفها اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، سواء عبر القصف المباشر في غزة أو عبر الاستيطان والتعطيش والتضييق في الضفة. ومن زاوية سياسية، فإن هذا الطرح يهدف إلى إقناع المجتمع الدولي بأن ما يحدث ليس صراعاً موضعياً على الأرض بل مخططاً ذا طابع شامل يستوجب معالجة على أساس القانون الدولي.
استراتيجية تهجير السكان
من الناحية القانونية، استند فتوح إلى المرجعيات الدولية، مؤكداً أن هذه السياسات تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف وقرارات الأمم المتحدة التي جرّمت الاستعمار في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهو بذلك يضع سلوك الاحتلال في خانة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي لا تسقط بالتقادم، بما يشير إلى إمكانية ملاحقة إسرائيل قانونياً عبر المؤسسات الدولية مثل محكمة الجنايات الدولية.
في المقابل، تعكس هذه التصريحات إدراكاً فلسطينياً بأن معركة الأرض والمياه هي جوهر الصراع في الضفة الغربية، وأن الاستيطان المقترن بالحصار المائي وتدمير البنية الزراعية يمثل أحد أخطر أشكال التهديد الوجودي للفلسطينيين. فالتعطيش المتعمد وتفجير الآبار ليس مجرد وسيلة للضغط اليومي بل أداة استراتيجية لتهجير السكان قسراً، بما يحقق هدف السيطرة على الأرض بأقل كلفة عسكرية مباشرة.
تصاعد المخططات الاحتلالية
في ضوء ذلك، يظهر التقرير أن الموقف الفلسطيني يحاول الجمع بين الإدانة القانونية والسياسية وبين التحذير من التداعيات الاستراتيجية لهذه السياسات، مع التشديد على أن الشعب الفلسطيني، رغم تصاعد المخططات الاحتلالية، سيبقى متمسكاً بحقه التاريخي والقانوني في أرضه. هذا الإصرار يعكس رسالة مزدوجة: الأولى إلى الداخل الفلسطيني لتثبيت عوامل الصمود، والثانية إلى الخارج لإبراز أن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي ليس مسألة إدارية أو أمنية بل جريمة ممنهجة تضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع الشرعية الدولية.






