هل تسطيع سوريا القضاء على تنظيم داعش الإرهابي وإعادة بناء الدولة؟ سؤال يلوح في الأفق في ظل حالة الانتعاشة السياسية التي تعيشها دمشق، خلال الفترة الحالية، بعد رفع العقوبات الأمريكية والغربية، ودخول البلاد في مرحلة جديدة، طوت فيها صفحة نظام الأسد، وبدأت مرحلة جديدة تهدف إلى إعادة بناء الدولة، وتكوين تحالفات سياسية، تساعدها على الخروج من عنق الزجاجة، أملا في تحقيق الاستقرار على المتسوى السياسي والاقتصادي.
تعاني سوريا من تهالك البنية المؤسسية، وتتجه السلطة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، إلى تثبيت شرعيتها وبسط نفوذها غلى كامل أركان الدولة، والقضاء على التنظيمات التي تهدد الأمن، وفي مقدمتها تنظيم داعش، الذي أثبت عبر السنوات مرونة تكتيكية عالية وقدرة على استثمار الفوضى والفراغات السياسية.
تعقيدات قد تعرق المسار نحو إنجاح الانتقال السياسي
النجاح في القضاء على داعش لا يرتبط فقط بالحل الأمني أو العسكري، بقدر ما يتوقف على مرحلة الانتقال السياسي نفسه، ومدى قدرة القيادة الجديدة على بناء دولة مؤسيسة، تتجاوز الانقسامات الأيديولوجية والطائفية، وتستوعب الفصائل المسلحة ضمن إطار مؤسسي وقانوني. إذ إن أي تعثر في مسار الانتقال، أو غياب للثقة بين السلطة والمجتمع، يفتح ثغرات جديدة يستغلها التنظيم لإعادة التموضع والحشد، مستفيدًا من خبرته الطويلة في العمل تحت الضغط.
وحسب دراسة أعدها مركز المستقبل، تواجه سوريا تعقيدات ربما تعرقل مسارها نحو إنجاح الانتقال السياسي وبناء دولة المؤسسات؛ نظراً للارتباطات التنظيمية السابقة لهيئة تحرير الشام بالقاعدة وأيديولوجيتها، وصعوبة تعميم نموذج مذهبي واحد على الواقع الطائفي للمجتمع السوري، وكذلك احتمالية تعزيز الشرع سلطته بقرارات من شأنها أن تثير حفيظة المعارضة المدنية وتشجع باقي الفصائل على التمسك بأسلحتها. وهكذا قد يؤدي انعدام الثقة إلى إرباك المرحلة الانتقالية في سوريا؛ الأمر الذي ربما يساعد تنظيم داعش على إيجاد بيئة ملائمة لتجميع قوته، بحشد عناصره في دول الجوار على الجبهة السورية، والتهيؤ لمواجهة المعارك المُحتملة باستقطاب الشباب الغاضب.
في غضون عام 2024 رفع تنظيم داعش، عملياته بشكل ملحوظ في سوريا؛ إذ بلغت 491 عملية، حسب المرصد السوري الذي أشار في 30 ديسمبر الماضي إلى استغلال داعش للاضطرابات السياسية والعسكرية لتحقيق أهدافه وإعادة تنظيم صفوفه. فيما قدَّر مركز “صوفان”، في 18 ديسمبر الماضي، تضاعف هجمات داعش في سوريا ثلاث مرات مقارنةً بعام 2023. هذه التقديرات تعزز تفسير القيادة الأمريكية، في 17 يوليو الماضي، لتبني داعش 153 هجوماً في العراق وسوريا خلال النصف الأول فقط من 2024، بسعي التنظيم إلى مضاعفة عدد هجماته التي أعلنها في 2023، معتبرة الزيادة في الهجمات مؤشراً على محاولته “إعادة تشكيل نفسه بعد عدة سنوات من انخفاض قدراته”.
خطورة الاستقطاب الإقليمي والدولي
وبالنظر إلى الخط التصاعدي لهذا النشاط وفي ظل ظروف أمنية مريبة؛ فإن تنظيم داعش قد يكون قادراً على زيادة عملياته والتصدي لهيئة تحرير الشام، مستغلاً في الوقت ذاته، حداثة تجربتها في الحكم وإنهاكها بالضربات المباغتة لإثارة مشاعر انعدام الأمن، في أفق تشتيت جهودها وتأليب الفصائل والشعب السوري ضدها.
وبالرغم من تشدد تنظيم داعش في قناعاته الأيديولوجية؛ فإنه أظهر في أكثر من مناسبة مرونة ميدانية بإجازة “التخادم” مع أعداء أعدائه، بغض النظر عن انتماءاتهم العقدية والمذهبية؛ وهو ما حصل بين زعاماته في سوريا وعناصر من حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني؛ ومن ثم فإن استمرار الاستقطاب الإقليمي والدولي في سوريا من شأنه أن يُبقي داعش كورقة للتوظيف في يد الخاسرين من التطورات الأخيرة لإعادة تشكيل التوازنات بالساحة السورية.
الأمر هنا لا يقتصر على إيران؛ إذ يُحتمل إقبال “قسد”، في حال تعرض مناطق سيطرتها لتدخل عسكري تركي، على رفع رقابتها عن السجون والمخيمات التي تحوي 9 آلاف معتقل داعشي و40 ألفاً من أقاربهم، مقابل قيام التنظيم بـ”أدوار وظيفية” ضد تركيا التي أعلنت قتل زعميه الأخير واعتقلت المئات من عناصره خلال السنوات الأخيرة؛ وهو الأمر الذي يتيح لداعش هامشاً للمناورة وفرصاً للحشد والمواجهة.
تحفيز الفصائل على تسليم أسلحتها
وبتحليل سيناريو “التراجع والمغادرة”، يقوم هذا السيناريو على قراءات مناقضة للمعطيات السابقة تجعل تنظيم داعش يراهن على التخفي وإيجاد ملجأ بديل لضمان بقائه، حيث يُرجحه ما يلي:
تلقى سوريا الجديدة اهتماماً إقليمياً ودولياً يسهم في تحفيز الفصائل على تسليم أسلحتها والتحول إلى أحزاب سياسية تتنافس على السلطة ببرامج انتخابية؛ إذ إنه ليس من مصلحة الغرب وتركيا فضلاً عن الدول العربية وحتى إسرائيل انهيار أسس السلم في سوريا وانعطافها نحو الفوضى.
الغرب يريد شرق أوسط جديد تكون فيه اليد الطولى لإسرائيل؛ وهو ما تحقق أهم شروطه برحيل نظام الأسد؛ ومن ثم سيسعى إلى التهدئة لتجنب خلط الأوراق لصالح إيران وروسيا؛ لذلك بادرت القوات الأمريكية، التي رفعت عددها من 900 إلى 2000 حسب ما أعلنته في ديسمبر الماضي وسط مؤشرات على سعيها لخلق تمركز عسكري في عين العرب، بقصف مواقع لتنظيم داعش عقب سقوط النظام، توجت في 20 ديسمبر الماضي، بقتل زعيمه في سوريا، تلتها عمليات فرنسية في 31 ديسمبر.
أما تركيا فلن تتردد في ترجيح التفاوض مع الولايات المتحدة بشأن نزع سلاح “قسد”، وأن تكون أنقرة المحاور الموثوق للسلطة الحالية في دمشق والشريك النافذ في تأمين البلاد من الإرهاب. في حين ستدعم الدول العربية المرحلة الانتقالية في سوريا لمزاحمة المشروعات الأجنبية ومحاورة قيادتها الجديدة لإعادتها للصف العربي.
خبرة السلطة الجديدة في التعامل مع داعش
بغض النظر عن مصداقية التقارير التي تحدثت عن ارتفاع عمليات داعش خلال عام 2024؛ فإنه لا يمكن البناء عليها للحكم على مستقبله، ما دام الارتفاع المسجل صادف المرحلة الأكثر عنفاً في تاريخ المنطقة الحديث جراء الحرب الإسرائيلية على غزة وامتداداتها الإقليمية؛ الأمر الذي وفر للتنظيم فرصة لمضاعفة جهوده القتالية من أجل تحقيق طموحه بالسيطرة على جزء من الأراضي السورية لأول مرة منذ طرده من الباغوز عام 2019.
كما أن التقارير الأمنية تُحاط بملابسات تفرض التعامل معها بـ”نسبية”؛ لهذا أخفقت في تقدير حجم الاختلال في موازين القوى عقب الضربات الإسرائيلية ضد جيش النظام السوري، ولم تتوقع سيطرة هيئة تحرير الشام على البلاد، فضلاً عما يروجه البعض من احتمال توظيف الأرقام لخدمة قرارات سياسية معينة كتبرير استمرار الوجود الأمريكي. ويُضاف إلى ذلك، خبرة السلطة الجديدة في دمشق في التعامل مع داعش والدعم الإقليمي والغربي لها؛ الأمر الذي يعينها على رصد ومتابعة تحركات التنظيم مثل إحباطها محاولة تفجير مقام السيدة زينب جنوب دمشق في 11 يناير 2025.
استفاد تنظيم داعش، خلال السنوات الماضية، من توزع النفوذ في سوريا بين القوى المتصارعة؛ الأمر الذي أتاح له فرصاً لـ”التخادم” مقابل تحصيل الدعم من جهة أو أخرى، بما يسمح له بالتطلع للسيطرة على الأرض مجدداً والترويج في دعايته بأن خلافته المزعومة “باقية وتتمدد”؛ وهو الأمر الذي صار أصعب في ظل وجود سلطة مركزية ممثلة في هيئة تحرير الشام، تسعى لإحكام قبضتها على سوريا، ووجود مؤشرات على تفاعل إقليمي ودولي متزايد لصالحها، وذلك بشكل يُذكر بتجربة العراق الذي نجح في تأمين أراضيه بعد أن حقق توافقات سياسية وحشد دعماً دولياً لها. حسب مركز المستقبل.
سيناريوهات البجعة السوداء
ويُرجح سيناريو “التراجع والمغادرة” الذي وجد مصداقيته في أفغانستان بعد سيطرة حركة طالبان على كابول في 2021، خلافاً للقراءات التي كانت ترجح عودة قوية لداعش خراسان؛ ومن ثم، ما لم يتحقق أحد سيناريوهات “البجعة السوداء” مثل شيوع الانشقاقات داخل هيئة تحرير الشام؛ فإن تنظيم داعش لن يستطيع حشد عناصره بسبب التطويق الأمني لحدود سوريا خاصةً مع العراق الذي أرسل وفداً أمنياً إلى دمشق.
كما يُستبعد مبادرة التنظيم بالمواجهة بالرغم مما قِيل عن حيازته لما تبقى من أسلحة النظام السابق والجماعات الإيرانية، لوعيه بمحدودية قدراته مقارنةً بالغرب المصمم أكثر من أي وقت مضى على خنق الأصوات المزعجة لاستراتيجيته في الشرق الأوسط؛ ومن ثم قد تقتصر عمليات داعش على ضربات متباعدة تنتهي حتماً، ومهما كانت مؤلمة، باضطرار مقاتليه لمغادرة سوريا والمنطقة.
وعلى الرغم من مركزية الشام في الخطاب الجهادي؛ سيختار تنظيم داعش -الذي لن تزيد عمليات “مستلهميه” من “الذئاب المنفردة” في أوروبا والولايات المتحدة، السياسة الغربية إلا تشديداً- الرحيل بدلاً من النفير؛ ومن ثم انتقال مقاتليه المُقدر عددهم بنحو 2500 في سوريا والعراق، على الأرجح إلى إفريقيا وخاصةً منطقة الساحل، حيث الأنظمة هشة واحتمال سقوطها أكبر والاهتمام الغربي بمصيرها أقل، بينما فروعه أقوى وفرص إعادة البناء فيها أكثر وأضمن. وهذا ما لمَّح إليه تقرير أممي، منذ يناير 2024، بترجيحه انتقال داعش إلى الساحل؛ نتيجة الضغوط التي يواجهها في العراق وسوريا.






