يشير بيان وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” إلى أزمة إنسانية متفاقمة في قطاع غزة، حيث أصبح الحصول على مستلزمات النظافة الأساسية، مثل الصابون والشامبو والفوط الصحية، شبه مستحيل. هذه الأزمة لا ترتبط فقط بندرة المواد، بل تعكس انهيار منظومة الإمدادات نتيجة الحصار والقيود المشددة على دخول البضائع، إضافة إلى الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية وقطاع الخدمات العامة. وفي الوقت الذي تُباع فيه ملايين قطع الصابون يومياً حول العالم بسهولة، يعجز سكان غزة عن تأمين أبسط وسائل الوقاية الصحية، وهو ما يفتح الباب أمام تفاقم الأوضاع البيئية والصحية على نطاق واسع.
تفشي الأمراض الجلدية
انعدام مستلزمات النظافة في بيئة مكتظة يعزز خطر انتشار الأمراض المعدية، لا سيما في ظل ضعف منظومة الصرف الصحي وتلوث المياه، إذ إن المياه النظيفة نفسها باتت سلعة نادرة. وفي مخيمات النزوح والملاجئ المؤقتة، يتكدس آلاف الأشخاص في مساحات ضيقة، ما يخلق بيئة مثالية لتفشي الأمراض الجلدية وأمراض الجهاز الهضمي، فضلًا عن الأمراض الفيروسية الناتجة عن العدوى المباشرة أو عن طريق المياه الملوثة. كما أن نقص الفوط الصحية يترك آثارًا مباشرة على صحة النساء والفتيات، ويعرضهن لمشكلات صحية خطيرة نتيجة عدم توفر بدائل آمنة.
الأضرار البيئية الناتجة عن هذا الواقع لا تقل خطورة عن الأزمة الإنسانية المباشرة. فغياب القدرة على التخلص الآمن من النفايات، وتدمير شبكات الصرف الصحي، يؤدي إلى تراكم القاذورات والمياه الملوثة في الشوارع والأحياء السكنية، وهو ما يسهم في جذب الحشرات والقوارض التي تنقل أمراضًا إضافية. كما أن القصف المستمر يفاقم هذه المعضلة، إذ يدمر البنية التحتية المتبقية، ويخلف حطامًا وأنقاضًا تزيد من صعوبة تنظيف البيئة الحضرية.
كارثة صحية وبيئية
هذا الوضع الصحي البيئي المتدهور يحدث بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية التي تقتل المدنيين حتى أثناء بحثهم عن المساعدات، كما حدث في شمال رفح وخان يونس، حيث استشهد مدنيون في قصف وإطلاق نار بينما كانوا يحاولون تأمين احتياجاتهم الأساسية. النتيجة هي حلقة مفرغة: الحرب تدمر وسائل الحياة والصحة، ونقص النظافة يسرع انتشار الأمراض، وتدهور الصحة العامة يزيد من هشاشة المجتمع في مواجهة الأزمة المستمرة.
إذا استمر غياب التدفق المنتظم لمستلزمات النظافة والمياه الصالحة للشرب، وغياب التدخل الأممي واسع النطاق لإعادة الحد الأدنى من الشروط البيئية والصحية، فإن غزة ستواجه ليس فقط أزمة إنسانية، بل كارثة صحية وبيئية ممتدة، سيكون من الصعب احتواؤها حتى بعد توقف القتال.







