الإحصائية التي نشرتها دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية عشية رأس السنة العبرية تكشف عن صورة مركبة للمجتمع الإسرائيلي بين النمو السكاني من جهة، وأزمة الهجرة المتصاعدة من جهة أخرى. فعلى الرغم من أن عدد السكان تجاوز 10 ملايين نسمة لأول مرة، فإن الأرقام تظهر بوضوح أن 2024 كان عاماً سلبياً في ميزان الهجرة، حيث غادر إسرائيل أكثر من 82 ألف شخص، في حين لم تستقبل سوى 31 ألف مهاجر جديد. هذه المعادلة، التي وصفتها وسائل الإعلام الإسرائيلية بالخطيرة، تعكس خللاً عميقاً في العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وتطرح تساؤلات عن قدرة إسرائيل على الاحتفاظ بجاذبيتها كمكان للعيش في ظل ظروف الحرب والأزمات الداخلية.
أبعاد سياسية واجتماعية
الزيادة السكانية الطفيفة بنسبة 1 في المائة، والتي جاءت أقل من معدل العام السابق (1.6 في المائة)، ارتبطت بشكل أساسي بالولادات، فيما لعبت الهجرة العكسية دوراً في كبح هذا النمو. فالمفارقة أن المشروع الصهيوني الذي تأسس على فكرة “جمع الشتات” يشهد لأول مرة ظاهرة معاكسة، حيث يغادر الإسرائيليون البلاد بأعداد تفوق الوافدين إليها. وتشير وسائل الإعلام العبرية إلى أن أسباب هذا النزيف ترتبط بتراجع الشعور بالأمن بعد حرب غزة المستمرة، والظروف الاقتصادية الصعبة، إضافة إلى الانقسامات السياسية والاجتماعية الحادة التي فاقمت من أزمة الثقة في القيادة.
التركيبة الديموغرافية توضح أيضاً ميزان القوى داخل إسرائيل: اليهود يشكلون 78.5 في المائة من السكان، مقابل 21.5 في المائة من العرب، وهو ما يعكس استمرار التباين السكاني الذي تحاول إسرائيل التحكم به عبر سياسات مختلفة. وفي الوقت نفسه، تبرز الإحصاءات الدينية بين اليهود البالغين فوق سن العشرين انقساماً داخلياً آخر، إذ يشكل العلمانيون واللا متدينون نحو 42.7 في المائة، مقابل نحو 11.4 في المائة من الحريديم (المتشددين دينياً). هذا الانقسام يحمل أبعاداً سياسية واجتماعية كبيرة، حيث يشكل الحريديم قوة انتخابية ومالية ضاغطة على الدولة، بينما تعبر الشرائح العلمانية عن مخاوف متزايدة من هيمنة التيارات الدينية.
تزايد الأعباء المعيشية
الجانب الآخر من التقرير يتعلق بجودة الحياة، حيث أظهر أن أكثر من 91 في المائة من الإسرائيليين راضون عن حياتهم، لكن التناقض يظهر في الجانب الاقتصادي، إذ عبّر ثلث السكان عن عدم رضاهم عن أوضاعهم المالية. هذه الفجوة تكشف عن التفاوت الطبقي الذي تفاقم خلال الحرب، مع تزايد الأعباء المعيشية وتراجع فرص النمو الاقتصادي.
الإحصاءات المتعلقة بالوفيات تعكس بدورها أثر الحرب على المجتمع الإسرائيلي؛ إذ قُتل 1267 جندياً ومدنياً منذ السابع من أكتوبر حتى نهاية العام، وهو رقم يعادل 2.5 في المائة من الوفيات المسجلة، ما يوضح أن الحرب أصبحت عاملاً مؤثراً في التركيبة السكانية وفي الوعي الجمعي.
إعادة صياغة الأولويات الإسرائيلية
وعلى الصعيد العالمي، تذكّر الوكالة اليهودية بإجمالي عدد اليهود البالغ 15.8 مليون نسمة، مع وجود أكبر تجمع في الولايات المتحدة (6.3 ملايين)، ما يعزز الفكرة أن إسرائيل رغم مكانتها كـ”وطن قومي” لم تعد الوجهة الأكثر أماناً أو جاذبية لليهود، بل أصبحت الولايات المتحدة وفرنسا وكندا خيارات مفضلة للكثيرين.
الإحصائية ليست مجرد أرقام ديموغرافية، بل مرآة تعكس تناقضات المشروع الإسرائيلي في هذه المرحلة: مجتمع ينمو عددياً عبر الولادات لكنه يتآكل بفعل الهجرة العكسية؛ دولة تعلن عن رضا واسع بين مواطنيها لكنها تواجه تراجعاً في الثقة الاقتصادية؛ ونظام سياسي يفاخر بقدراته لكنه يعاني من انقسامات داخلية وهجرة عقول وأيدي عاملة. هذه التحديات قد تعيد صياغة الأولويات الإسرائيلية في السنوات المقبلة، سواء على مستوى السياسات الداخلية أو على صعيد علاقتها باليهود في الخارج.






