تستعد بعثة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتوجه إلى واشنطن الأسبوع المقبل، للتشاور مع الإدارة الأميركية بشأن تعثر عمليات التفتيش في إيران، في ظل عجز المفتشين عن الوصول إلى مواقع نووية حساسة منذ الهجمات الإسرائيلية – الأميركية التي استهدفت منشآت إيرانية خلال حرب استمرت 12 يوماً في يونيو (حزيران) الماضي.
أزمة تفتيش غير مسبوقة
كشفت وكالة «بلومبرغ» أن زيارة كبار مسؤولي الوكالة تأتي بعد فشل كبير المفتشين في الحصول على موافقة من طهران لاستئناف مهامهم.
ورغم إصرار المدير العام رافائيل غروسي على أن عمليات المراقبة ضرورية لتقييم برنامج إيران النووي، فإن البرلمان الإيراني صادق الشهر الماضي على تشريع يعلّق التعاون مع الوكالة، ويشترط موافقة «المجلس الأعلى للأمن القومي» على أي نشاط تفتيشي مستقبلي.
طهران: تعاون محدود لا قطع كامل
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حاول التخفيف من حدة الأزمة، فأكد أن بلاده «لا يمكنها قطع التعاون بالكامل مع الوكالة»، موضحاً أن استبدال وقود محطة بوشهر النووية «لا يمكن أن يتم من دون حضور المفتشين الدوليين».
لكنه شدد في المقابل على أن عودة المفتشين مرهونة بقرار المجلس الأعلى للأمن القومي، وأن المرحلة الحالية تتطلب «إطاراً جديداً للتعاون» يأخذ في الاعتبار الظروف التي أفرزتها الحرب الأخيرة والقانون البرلماني الجديد.
لقاءات غير حاسمة في طهران
نائب المدير العام للوكالة ومسؤول إدارة الضمانات، ماسيمو أبارو، زار طهران الأسبوع الماضي، لكن نتائج محادثاته بقيت غير واضحة.
عراقجي وصف الزيارة بأنها «مفيدة»، مشيراً إلى تبادل وثائق بين الطرفين بشأن آليات تعاون بديلة. وألمح إلى أن وفداً إيرانياً قد يتوجه إلى فيينا لاستكمال النقاش، ما يشير إلى بقاء قنوات التواصل مفتوحة رغم التوتر.
أوروبا تلوّح بـ«سناب باك»… وإيران ترفض
في المقابل، أمهلت القوى الأوروبية (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) طهران حتى نهاية أغسطس (آب) لتحقيق تقدم ملموس، مهددة بتفعيل آلية «سناب باك» لإعادة فرض العقوبات الأممية.
غير أن إيران قللت من جدية التهديد، مؤكدة أن هذه الآلية «لم تعد قائمة قانونياً بعد انتهاء القرار 2231»، وأن الأوروبيين «لم يعودوا طرفاً معترفاً به في الاتفاق النووي».
وحذّر عراقجي من أن أي محاولة لإعادة فرض العقوبات «ستُنهي دور أوروبا في العملية الدبلوماسية»، من دون أن تُشكل ضغطاً فعلياً على بلاده.
مأزق دولي معقد
يرى مراقبون أن الأزمة الراهنة تعكس صراعاً متعدد الأبعاد: فبينما تسعى واشنطن للحفاظ على أدوات رقابية دولية تحدّ من تقدم البرنامج النووي الإيراني، تتمسك طهران بحقها في تقييد عمليات التفتيش بدعوى السيادة والأمن القومي.
وفي الوقت ذاته، تبدو أوروبا عالقة بين ضغوط الداخل الأميركي والإسرائيلي وبين حساباتها الاقتصادية مع إيران، ما يجعل تهديداتها أقرب إلى ورقة ضغط سياسية منها إلى خيار قابل للتنفيذ الفعلي.
الملف النووي بين الدبلوماسية والمواجهة
الأزمة الحالية تطرح تساؤلات كبرى حول مستقبل الاتفاق النووي والجهود الدبلوماسية لإحيائه، فإذا فشلت الوكالة في استعادة حضورها داخل إيران، ستزداد المخاوف من فقدان الشفافية الكاملة بشأن مخزونات اليورانيوم المخصب، ما قد يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد الإقليمي والدولي.
وفي المقابل، ترى طهران أن أي تسوية لا بد أن تراعي «الظروف الجديدة» التي فرضتها الحرب الأخيرة والتوازنات الداخلية، ما يعني أن المفاوضات المقبلة ستكون أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
شبح مواجهة جديدة مع إسرائيل
إلى جانب التعقيدات الدبلوماسية، يحذّر خبراء من أن استمرار تعطيل التفتيش قد يعزز فرضية لجوء إسرائيل إلى خيارات عسكرية جديدة، بذريعة منع إيران من الاقتراب أكثر من «العتبة النووية»، فالحرب القصيرة في يونيو أثبتت استعداد تل أبيب للتحرك منفردة.
بينما تؤكد تصريحات مسؤولين إيرانيين أن أي اعتداء جديد سيقابل برد «أشد وأوسع». وهو ما يرفع منسوب القلق في المنطقة، إذ إن غياب آلية تفتيش فعالة يترك المجال مفتوحاً أمام تقديرات استخباراتية متضاربة، قد تدفع الأطراف المتخاصمة إلى خطوات ميدانية أكثر خطورة.






