يشهد اليمن موجة غير مسبوقة من هجرة العقول والكفاءات المؤهلة، في مشهد يعكس حجم الانهيار الذي طال مؤسسات الدولة والمجتمع على حد سواء. فمئات، بل آلاف من الأطباء والمهندسين والأكاديميين والمعلّمين والمختصين في مجالات متنوعة، يغادرون البلاد سنوياً، بحثاً عن ملاذ آمن وكرامة مهنية، بعد أن ضاقت بهم سبل العيش في الداخل وتقلّصت فرص العمل والحرية في ظل سيطرة جماعة الحوثي على مفاصل الدولة.
ورغم أن اليمن معروف تاريخيًا بأنه من أكثر بلدان المنطقة تصديرًا للهجرات، منذ انهيار سد مأرب قبل قرون، فإن ما يجري اليوم يفوق حدود الظاهرة التاريخية ليتحوّل إلى نزيف وطني يهدد الحاضر ويقوّض أية إمكانيات للنهوض المستقبلي.
كفاءات في مهب الشتات
منذ عام 2014، مع سقوط صنعاء بيد الحوثيين، تفاقم منسوب الهجرة القسرية للكوادر المتعلّمة، حيث لم تعد المسألة مرتبطة بتقلبات الاقتصاد أو طموحات المهاجرين كما كان عليه الحال سابقاً، بل باتت خياراً قهريًا للهروب من منظومة قمع سياسي وطائفي تستهدف كل ما تبقى من صوت مستقل أو عقل علمي.
الطرد الصامت الذي يتعرض له المعلمون والأطباء والمهندسون من مناطق سيطرة الحوثيين، يحدث عبر آليات ناعمة وأخرى خشنة: من حرمانهم من الرواتب، إلى تهميشهم في التعيينات، وصولًا إلى تطييف الوظيفة العامة، وهو ما جعل الكفاءات تشعر بأن بقاءها في البلاد لم يعد مجرد مغامرة بل مخاطرة وجودية.
الحرب والعزلة والفقر: عوامل مركبة للهجرة
الهجرة اليمنية الحديثة لها جذور اقتصادية عميقة؛ فقد لعب الفقر وتقلّص الرقعة الزراعية، إلى جانب جفاف الموارد وتقلّبات المناخ، دورًا كبيرًا في دفع أجيال من اليمنيين نحو المغتربات، خصوصاً في الخليج والولايات المتحدة وبريطانيا. لكن الحرب قلبت المعادلة، فمع اجتياح الحوثيين لصنعاء وتمددهم نحو مناطق أخرى، أُضيف البعد الأمني والسياسي إلى قائمة الدوافع، وتحول الهروب من البلد إلى مسألة حياة أو موت.
ما يزيد من مأساوية المشهد، أن أكثر الفئات نزوحًا هي الفئات ذات التعليم الجيد والخبرة التخصصية. وهنا يكمن الخطر الاستراتيجي، إذ إن تفريغ البلاد من نخبها المتعلمة يترك فراغًا هائلًا في منظومة الدولة والمجتمع على حد سواء.
تطييف المؤسسات وتصفية الكادر المدني
ضمن سياسة ممنهجة، أعادت جماعة الحوثي تشكيل مؤسسات الدولة على أسس طائفية وسلالية. فتمت إحالة المئات من الموظفين في قطاع التعليم إلى منازلهم، فيما جرى استبدال المناهج الدراسية الرسمية بـ”ملازم” عقائدية، وأُقصي المعلمون الأكفاء لصالح مشرفين موالين للجماعة لا يمتلكون الكفاءة ولا التأهيل.
وتعد ممارسات التمييز الطائفي في التوظيف والترقية والامتيازات جزءًا من مشهد أكبر، يتم فيه استبعاد كل من لا ينتمي إلى “السلالة الهاشمية”، حتى لو كان صاحب كفاءة عالية. أحد الأمثلة الصارخة ظهر مؤخرًا في محافظة ريمة، حيث أُقيل مدير مستشفى وطبيب معروف فقط لأنه “يضم” يديه في الصلاة، في إشارة إلى المذهب السني، بدلًا من “السربلة” التي يتبعها الحوثيون.
مستقبل ضبابي بلا نخب
رغم أن اليمن لم يخلُ كليًا من الكفاءات، إلا أن حجم النزيف المستمر، مقترنًا بغياب سياسات الاحتفاظ بالكوادر، يترك البلاد عارية من نخبها في لحظة تحتاج فيها إلى كل عقل منفتح وكل يد خبيرة. إذ لا يمكن لأي مشروع وطني، أياً كان شكله أو داعموه، أن يُبنى في فراغ بشري أو على أطلال التعليم والصحة والخدمة المدنية.
اليمن اليوم يقف أمام مفترق وجودي: إما أن تُعاد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة المتساوية، ويتم استعادة الكفاءات في الداخل والخارج، أو أن يُترك لمصيره كدولة هشّة بلا عقول ولا روافع حضارية.







