مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية في سوريا، تدخل البلاد مرحلة سياسية حساسة يُفترض أن تفتح الباب أمام استحقاق جديد، لكنه محفوف بالتوترات والتحديات، فبينما تستعد دمشق لاقتراع يوصف بأنه “اختبار وطني”، يظل ملفا الأكراد شمالاً والدروز جنوباً، العائقين الأكبر أمام طموحات السلطة في إعادة إنتاج صورة الاستقرار.
ورغم أن العملية تبدو في ظاهرها استحقاقًا دستوريًا، إلا أنها في جوهرها امتحان صعب لقدرة الدولة على استيعاب الانقسامات ومعالجة جروح السنوات الماضية.
انتخابات بين الشكل القانوني والتحديات الواقعية
تقوم آلية الانتخابات على انتخاب 140 عضوًا من أصل 210، بينما يعيّن الرئيس 70 عضوًا لاستكمال المجلس.
من جانبه، أوضح المحلل السياسي علي جمالو أن “البلد لا يجب أن يتوقف”، معتبراً أن المضي في العملية الانتخابية ضرورة، حتى في ظل الانقسامات. لكنه شدد على أن غياب التوافقات المسبقة يجعل النتائج مرهونة بمدى قدرة دمشق على إدارة التناقضات الداخلية.
الملف الكردي.. اتفاق العاشر من مارس المعلّق
يبقى المشهد الكردي من أعقد الملفات، خصوصاً بعد الاتفاق الذي جرى في 10 مارس بين الحكومة و”قسد”، والذي تعطل تطبيقه وسط تبادل الاتهامات.
واتهم القائد العسكري الكردي سيبان حمو دمشق بعدم الالتزام ببنود الاتفاق، مؤكداً أن دمج قواته في الجيش السوري “غير قابل للنقاش” قبل تعديل القوانين.
لكن جمالو يرى أن هذا الملف “في طريقه إلى الحل”، لافتًا إلى أن المفاوضات مستمرة خلف الكواليس، وأن التصعيد الإعلامي مجرد ورقة تفاوضية.
كما أشار إلى دور المبعوث الأميركي توم باراك في رعاية هذا المسار، ما يعزز احتمالات التوصل إلى صيغة توافقية خلال الفترة المقبلة.
السويداء.. الجرح المفتوح
على النقيض، تبدو السويداء عقدة أكثر استعصاء. الأحداث الأخيرة في الجنوب عمّقت الشرخ بين الأهالي والدولة، ما جعل الملف أكثر حساسية.
جمالو شدد على أن “السويداء جزء أصيل من الهوية السورية”، موضحًا أن نزعة الانفصال هناك خيار أقلية، لكن معالجة الأزمة تتطلب حوارًا صريحًا يعترف بالمظالم ويحاسب المسؤولين عن الانتهاكات.
وأشار إلى جذور الأزمة الممتدة منذ عقود حول نزاعات الأراضي، والتي تحولت إلى وقود للاحتجاجات، مؤكداً أن الحل الأمني وحده لن يجدي، وأن المطلوب هو مقاربة سياسية تعطي الأولوية للحقوق.
بين التصعيد والتهدئة.. مفاوضات غير معلنة
المشهد السوري اليوم، بحسب جمالو، محكوم بلعبة شد وجذب، فالتصريحات المتشددة من بعض القيادات الكردية أو الأصوات في السويداء، لا تتجاوز حدود الأوراق التفاوضية. فيما الحراك الدبلوماسي الدولي يواصل الدفع نحو طاولة تسوية سياسية تدريجية.
واشنطن تحديدًا تتابع هذا المسار عن كثب، ما يعكس رغبة إقليمية ودولية في منع تفجّر المشهد السوري مجددًا.
برلمان جديد وحكومة مرتقبة
ويتوقع مراقبون أن تفرز الانتخابات برلمانًا جديدًا يفتح الباب أمام تشكيل حكومة وازنة، تكون قادرة على ترجمة التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية.
ويرى جمالو أن ذلك سيكون فرصة لدمج التسويات مع الأكراد، وربما لإطلاق مقاربة جديدة تجاه السويداء.
وبحسب الخبراء، فإن الانتخابات المقبلة لن تكون مجرد محطة شكلية، بل امتحان لمستقبل سوريا السياسي والاجتماعي. فإذا كان الملف الكردي مرشحًا للتسوية تحت ضغط الرعاة الدوليين، فإن جرح السويداء لا يزال بحاجة إلى مصالحة عميقة.
كما أكد الخبراء أن نجاح دمشق في هذا الاستحقاق يعتمد على قدرتها على الجمع بين التعددية القومية والطائفية ضمن إطار وطني واحد، وتحويل الانتخابات من واجب دستوري إلى فرصة لإعادة بناء الثقة. فإما أن تكون هذه الانتخابات بداية مسار جديد، أو مجرد محطة أخرى تكشف عمق الانقسام السوري.







