تواصل جهود تشكيل الحكومة العراقية دورانها في حلقة مفرغة، مع غياب أي اختراق حقيقي في مسار التفاهمات السياسية، ما يعزز التوقعات باستمرار حالة الجمود لعدة أشهر مقبلة، في ظل تعقيدات تتعلق بانتخاب رئيس للجمهورية، والخلافات حول الشخصية التي ستتولى رئاسة الحكومة المقبلة.
انقسامات بين القوى السياسية
ووفقا لوسائل إعلامية، فتؤكد مصادر سياسية مطلعة أن المشهد الحالي يعكس عمق الانقسامات بين القوى الرئيسية، لا سيما داخل المعسكر الشيعي، حيث لم تنجح حتى الآن محاولات تقريب وجهات النظر بشأن توزيع المناصب السيادية، أو بلورة توافق شامل يرضي مختلف الأطراف الفاعلة.
وفي هذا السياق، يرى قيادي بارز في قوى «الإطار التنسيقي» أن تعثر تشكيل الحكومة لا ينفصل عن التطورات الإقليمية المحيطة، لافتاً إلى أن مسار التهدئة أو التصعيد في المنطقة، واحتمالات حدوث صدام بين واشنطن وطهران، ينعكس بشكل مباشر على الحسابات السياسية الداخلية في العراق.
وأضاف أن القوى المؤثرة تدرك تماماً حجم الدور الأميركي والإيراني في ملف تشكيل الحكومة، وهو ما يدفعها إلى التريث وانتظار اتضاح الصورة الإقليمية.
وتشير تقديرات مراقبين إلى أن العملية السياسية قد تستغرق وقتاً أطول مما كان متوقعاً، في ظل غياب ضغوط حاسمة تفرض تسوية سريعة، واستمرار منطق المساومات المتبادلة بين الكتل، على حساب الإسراع بتشكيل حكومة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية والخدمية المتراكمة.
تداعيات التأخير على الشارع
ومع استمرار حالة الشلل السياسي، تتزايد مخاوف الشارع العراقي من تداعيات التأخير، خصوصاً في ظل أوضاع معيشية ضاغطة، وتطلعات شعبية إلى حكومة مستقرة تمتلك برنامجاً واضحاً للإصلاح، بعيداً عن صراعات النفوذ وحسابات المحاور الإقليمية.
وتعكس أزمة تشكيل الحكومة العراقية تعقيدات متراكمة في النظام السياسي القائم على التوافقات الهشة بين القوى المتنافسة، حيث باتت عملية تقاسم السلطة أكثر تعقيداً مع كل دورة سياسية جديدة، في ظل غياب أغلبية واضحة قادرة على فرض مسار حاسم لتشكيل الحكومة.
وتعود جذور الأزمة الحالية إلى الخلافات بشأن انتخاب رئيس للجمهورية، وهو استحقاق دستوري يُعد مدخلاً أساسياً لتكليف رئيس الحكومة، إلا أن الانقسامات بين الكتل السياسية، خصوصاً الكردية منها، حالت دون التوصل إلى توافق على شخصية تحظى بقبول واسع داخل البرلمان.
تباين في المعسكر الشيعي
وفي المعسكر الشيعي، الذي يمثل الثقل الأكبر داخل العملية السياسية، تبرز تباينات واضحة في الرؤى بين القوى المنضوية ضمن «الإطار التنسيقي» حول شكل الحكومة المقبلة وبرنامجها، فضلاً عن آلية اختيار رئيس الوزراء، ما أدى إلى إبطاء مسار المفاوضات وتعقيد فرص الحسم السريع.
ويُضاف إلى المشهد الداخلي عامل إقليمي بالغ التأثير، إذ يتأثر الملف الحكومي العراقي بمسار العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تشابك مصالح الطرفين داخل الساحة العراقية. ويؤدي أي تصعيد أو تهدئة بينهما إلى إعادة ترتيب حسابات القوى المحلية، التي تفضل في كثير من الأحيان انتظار استقرار الإيقاع الإقليمي قبل اتخاذ قرارات مفصلية.
كما تلعب الاعتبارات الأمنية والاقتصادية دوراً ضاغطاً على مسار التشكيل، حيث يواجه العراق تحديات تتعلق بتراجع الخدمات، وارتفاع معدلات البطالة، والحاجة إلى إصلاحات مالية وإدارية، وهي ملفات تتطلب حكومة مستقرة وقادرة على اتخاذ قرارات جريئة، وهو ما يزيد من القلق إزاء استمرار الفراغ السياسي.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تتصاعد مخاوف من أن يؤدي طول أمد الجمود إلى تآكل ثقة الشارع بالعملية السياسية، خاصة مع تنامي الدعوات الشعبية لإصلاح جذري للنظام السياسي، ما يضع القوى الحاكمة أمام اختبار حقيقي بين الاستمرار في سياسة التسويات المؤجلة، أو التوصل إلى توافق يُنهي حالة الشلل ويفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقراراً.







