تكشف البيانات الإغاثية الحديثة عن ملامح أزمة إنسانية متفاقمة في اليمن، تتجاوز كونها مسألة نقص غذاء إلى أزمة مركّبة تمس الأمن الغذائي والصحي والاجتماعي والاقتصادي، وتعيد البلاد إلى واجهة المشهد الدولي بوصفها من أكثر بؤر الجوع هشاشة في العالم. فبعد مرور شهرين على إغلاق جماعة الحوثي مكاتب الأمم المتحدة وتعليق توزيع المساعدات في مناطق سيطرتها، يتضح أن النتائج الكارثية لهذا القرار بدأت تتجسد ميدانياً، حيث يعاني ثلثا سكان اليمن من انعدام القدرة على توفير احتياجاتهم الغذائية الأساسية، فيما اضطر نصف الأسر لتقليص استهلاك البالغين من الطعام لإطعام الأطفال أولاً.
معضلة استمرار الحرب والانقسام السياسي
يأتي هذا الانهيار في الوقت الذي سجل فيه برنامج الأغذية العالمي أن 61 في المائة من الأسر اليمنية لم تتمكن في سبتمبر الماضي من تلبية الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية، وهو ما يعكس هشاشة الوضع الإنساني ويؤكد فشل كل محاولات التكيّف المجتمعي مع استمرار الحرب والانقسام السياسي. ولا يقتصر الأمر على المجاعة فقط، بل يتصل بمنظومة من التدهور المتزامن تشمل تراجع الواردات إلى مناطق الحوثيين بنسبة 32 في المائة، وانخفاض القدرة التشغيلية للمواني في البحر الأحمر بفعل الهجمات والتوترات الأمنية، الأمر الذي قاد إلى اضطراب سلاسل الإمداد الغذائي في الشمال.
وتشير مؤشرات الجوع العالمية إلى أن اليمن لا يزال ضمن فئة الدول “المثيرة للقلق للغاية”، وهي مرتبة تعبّر عن تجاوز مستويات الجوع الحدود الآمنة، مع توقعات بأن يستمر هذا الوضع في العام المقبل بسبب ضعف التمويل الدولي وتعليق معظم برامج المساعدات. ويبرز في المشهد أن سوء التغذية لا يصيب فقط البالغين بل يمتد للأطفال في أعمار مبكرة، حيث أظهرت بيانات برنامج الأغذية العالمي أن التنوع الغذائي للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و36 شهراً انخفض إلى مستويات مقلقة، مع انتشار حاد لفقر الغذاء، وارتفاع معدلات الإصابة بالإسهال التي تطال أكثر من ثلث الأطفال دون سن الخامسة، ما يضاعف احتمالات الإصابة بسوء التغذية الحاد.
انهيار شبكات الدعم الاجتماعي
في موازاة ذلك، تتزايد معاناة الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها النازحون داخلياً الذين يعيشون في المخيمات أو في مناطق الصراع المباشر. ووفق البيانات، فإن 42 في المائة من النازحين يعانون الجوع بدرجات متوسطة إلى شديدة، فيما اضطرت نسبة منهم إلى التسول لتأمين الغذاء، في مؤشر على انهيار شبكات الدعم الاجتماعي وتراجع فعالية التدخلات الإنسانية. فمع توقف المساعدات في مناطق سيطرة الحوثيين، باتت الأسر تعتمد على آليات تكيف قاسية مثل الاقتراض، وبيع الأصول البسيطة، وتقليل عدد الوجبات اليومية، وهي إجراءات لا يمكن أن تستمر طويلاً دون تداعيات اجتماعية خطيرة، مثل تفكك الأسر وزيادة معدلات النزوح والهجرة الداخلية.
في المقابل، يبرز تحسّن نسبي في المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً، حيث انخفضت تكلفة سلة الغذاء بنسبة 6 في المائة شهرياً وبنسبة 16 في المائة سنوياً، وهو أكبر انخفاض منذ اندلاع الحرب. ويُعزى هذا التحسّن إلى سياسات البنك المركزي في عدن، الذي تبنّى إصلاحات نقدية ساعدت في استقرار سعر الصرف نسبياً، إلى جانب الانخفاض العالمي في أسعار الوقود ومراقبة الأسواق المحلية بشكل أكثر فاعلية. كما أن ارتفاع واردات الغذاء عبر المواني الحكومية بنسبة 52 في المائة أسهم في تعزيز وفرة السلع الأساسية وتخفيف حدة التضخم الغذائي.
تدهور الأمن وتعليق أنشطة الأمم المتحدة
لكن هذا التحسن لا يخفي هشاشة الوضع المالي في مناطق الحكومة، إذ حذّر صندوق النقد الدولي من تراجع احتياطي الدولار إلى مستويات حرجة، ومن تجاوز الدين العام 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعل أي هزة اقتصادية جديدة قادرة على تقويض المكاسب الهشة التي تحققت. كما أن استمرار الانقسام المؤسسي بين صنعاء وعدن يعطل توحيد السياسة النقدية ويُبقي السوق في حالة ازدواجية سعرية تزيد من معاناة المستهلكين.
وفي جانب آخر، يربط مراقبون بين الأزمة الغذائية وتدهور مؤشرات الأمن، إذ صنّف مؤشر السلام العالمي اليمن خامس أقل دولة سلمية في العالم، نتيجة لتصاعد الهجمات في البحر الأحمر وغياب أي تقدم في العملية السياسية. هذه الهجمات ألحقت أضراراً بالمواني الخاضعة للحوثيين، ما خفّض قدرتها التشغيلية، وأدى إلى تراجع الواردات بنسبة 23 في المائة، في حين انخفضت واردات الوقود بنسبة 26 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، وهو ما انعكس مباشرة على النقل والإمداد والأسعار.
ومن الواضح أن الأزمة الحالية تتجاوز مسألة نقص الإمدادات إلى أزمة حوكمة وإنفاذ سياسي. فتعليق أنشطة الأمم المتحدة لم يكن مجرد خلاف إداري بل خطوة سياسية من الحوثيين تهدف إلى فرض السيطرة على المساعدات وتوجيهها بما يخدم نفوذهم، وهو ما ترفضه الوكالات الإنسانية التي تصر على آليات توزيع شفافة تضمن الوصول إلى المستحقين دون تمييز. لكن هذه المواجهة غير المتكافئة جعلت ملايين اليمنيين رهائن لصراع بيروقراطي وسياسي لا علاقة له باحتياجاتهم الأساسية.
الغذاء أداة ضغط بيد الأطراف المتصارعة
ويبدو أن غياب الضغط الدولي الكافي لتأمين ممرات إنسانية آمنة فاقم الأزمة، إذ لا تزال المنظمات الإنسانية عاجزة عن استئناف عملها في الشمال، فيما تتراجع تعهدات المانحين عاماً بعد آخر. ووفق تقديرات الأمم المتحدة، فإن اليمن يحتاج إلى أكثر من أربعة مليارات دولار سنوياً لتفادي الانهيار الإنساني، لكن ما تم تمويله حتى منتصف العام الجاري لم يتجاوز ثلث هذا المبلغ.
يعكس المشهد اليمني توازناً مأزوماً بين انقسام سياسي حاد وأزمة إنسانية متفاقمة، حيث أصبح الغذاء أداة ضغط بيد الأطراف المتصارعة، ووسيلة لتثبيت السيطرة أكثر من كونه حقاً إنسانياً. وبينما تظهر بوادر استقرار نسبي في مناطق الحكومة، يبقى الشمال غارقاً في أزمات الجوع وسوء التغذية وغياب المساعدات. وإذا لم يحدث تدخل دولي حاسم يعيد النشاط الإغاثي إلى مساره الطبيعي ويضمن استقلاليته، فإن اليمن يتجه نحو مرحلة جديدة من المجاعة المزمنة، التي لن تقتصر تداعياتها على السكان فحسب، بل ستمتد لتقوّض أي أمل في إعادة الإعمار أو بناء الدولة مستقبلاً.






