لم تكن زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى الصين هذا الأسبوع مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل بدت وكأنها إعلان غير مباشر عن نهاية مرحلة كاملة في السياسة الغربية تجاه بكين. فمع اصطحابه أكثر من خمسين شركة بريطانية كبرى في جولة تعاون عملي مع الصين، تحوّلت الزيارة إلى حدث يتجاوز البعد الثنائي، ليحمل دلالة جيوسياسية أوسع: يناير 2026 قد يُسجَّل كنقطة تحوّل في مسار العلاقة بين الغرب والصين، وربما كنهاية فعلية لمحاولات «فك الارتباط».
كسر جليد دام ثماني سنوات
تُعد هذه أول زيارة لرئيس وزراء بريطاني إلى الصين منذ ثماني سنوات، في وقت لم تكن فيه العلاقات الثنائية تعاني فقط من فتور دبلوماسي، بل من قطيعة سياسية غير معلنة. وقبلها بأسبوعين فقط، كسر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني جمودًا مشابهًا بزيارته إلى بكين، في أول خطوة من نوعها منذ تسع سنوات.
ذاكرة العلاقات لا تزال مثقلة بالأحداث. ففي عام 2018، أدى توقيف المديرة التنفيذية لشركة هواوي، مينغ وانزهو، في كندا بطلب أمريكي، إلى تجميد شبه كامل للعلاقات الصينية الكندية. وفي بريطانيا، انتهى ما سُمّي بـ«العصر الذهبي» للعلاقات مع الصين مع مغادرة تيريزا ماي السلطة، ليحل محله «عصر جليدي» اتسم بالحذر والتوتر والانخراط الكامل في الاستراتيجية الأمريكية المناوئة لبكين.
الغرب خلف واشنطن… ثم التصدّع
خلال السنوات الثماني الماضية، التزمت لندن وأوتاوا، باعتبارهما من أقرب حلفاء الولايات المتحدة، بخط واشنطن التنافسي تجاه الصين، سواء في التجارة أو التكنولوجيا أو ملفات حقوق الإنسان. ولم تقتصر هذه المقاربة على الدولتين، بل امتدت لتشمل الاتحاد الأوروبي وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، في محاولة لصياغة جبهة غربية موحّدة تهدف إلى احتواء الصين، أو على الأقل محاصرة صعودها.
لكن هذه الجبهة، التي غذّتها سردية «حرب باردة جديدة» في الإعلام الغربي، بدأت تتآكل تدريجيًا. وجاءت زيارة ستارمر لتؤكد أن هذه السردية فقدت زخمها، وأن يناير 2026 يمثل لحظة انكسارها الواضح.
من البراغماتية الاقتصادية إلى التحول الهيكلي
وصول ستارمر إلى بكين لم يكن مجرد تحرّك اقتصادي مدفوع بحاجات السوق، بل عكس تحولًا أعمق في التفكير الاستراتيجي الغربي. فمنذ انتخابه عام 2024، وضع رئيس الوزراء البريطاني تحسين العلاقات مع الصين في صلب أولوياته، مدركًا أن استراتيجية الاحتواء ألحقت ضررًا مباشرًا بالمصالح الاقتصادية البريطانية.
الأرقام هنا تتحدث بوضوح. فحجم التجارة الثنائية في السلع يبلغ نحو 103.7 مليار دولار، فيما تقترب الاستثمارات المتبادلة من 68 مليار دولار. وبصفتها رابع أكبر شريك تجاري للمملكة المتحدة، تمثل الصين رافعة حيوية لاقتصاد بريطاني يعاني من تباطؤ مزمن وضغوط داخلية متزايدة.
إجماع الأعمال… استحالة فك الارتباط
في أوساط الأعمال الغربية، لم يعد «فك الارتباط» مع الصين خيارًا واقعيًا. بل على العكس، يتزايد الإجماع على أن تعزيز التجارة وإدارة المخاطر هو المسار العملي الوحيد. هذا الإدراك، الذي تشكّل تدريجيًا بعيدًا عن الخطاب السياسي المتشدد، وفّر الأرضية لانهيار فكرة الحصار الغربي الشامل.
ويظهر هذا التحول بوضوح في تصريح ستارمر عشية زيارته، حين أكد أن «بريطانيا لن تختار ببساطة بين القوى العظمى». عبارة قصيرة، لكنها كاشفة لاتساع الفجوة داخل السياسة الغربية نفسها، ولتفكك فكرة الاصطفاف المطلق خلف واشنطن في مواجهة بكين.
ظاهرة أوسع من لندن
التحول البريطاني لا يبدو معزولًا. فخلال الأشهر الأخيرة، توالت زيارات قادة حلفاء الولايات المتحدة إلى الصين، من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، مرورًا برؤساء حكومات كندا وإيرلندا وفنلندا. هذا الحراك يعكس نزعة متنامية لدى القوى المتوسطة لإعادة تعريف مصالحها بعيدًا عن نظام تحالفات أحادي القطب.
في ظل تهديدات إدارة ترامب المتكررة بفرض تعريفات جمركية حتى على الحلفاء، باتت العلاقة مع الولايات المتحدة نفسها مصدرًا لعدم اليقين. ومن هذا المنطلق، تبدو عودة بريطانيا إلى التعاون مع الصين خيارًا استراتيجيًا للتحوّط، لا مجرد مناورة اقتصادية.
الحوكمة العالمية تُسقط منطق الاحتواء
إلى جانب الحسابات الاقتصادية، ثمة بعد آخر يضعف استراتيجية الاحتواء: الحوكمة العالمية. فالصين والمملكة المتحدة تتقاطعان في ملفات كبرى مثل الذكاء الاصطناعي، وتغير المناخ، والصحة العامة. وهذه القضايا، بطبيعتها العابرة للحدود، لا يمكن التعامل معها بسياسات عزل أو مواجهة صفرية.
ستارمر، مثل غيره من قادة الغرب عند زيارة بكين، شدد على أن الصين تمثل «فرصًا كبيرة» لشركات بلاده، لكن الأهم أن هذه الفرص تكمن في التعاون لإيجاد حلول لمشكلات عالمية لا يمكن لأي دولة مواجهتها بمفردها.
من الاحتواء إلى التعاون… مسار يتغير
تعزز الصين مكانتها في سلاسل التوريد العالمية، وفي مجالات حيوية مثل العناصر الأرضية النادرة والتكنولوجيا الحيوية، ما يدفع كثيرًا من المراقبين إلى الاعتراف بأن الغرب يحتاج إلى الصين أكثر مما تحتاج الصين إلى الغرب. هذا الخلل البنيوي يكشف السبب الجوهري لفشل استراتيجية الاحتواء، ويؤكد أن أي سياسة إقصاء طويلة الأمد محكوم عليها بالانهيار.
من هذه الزاوية، لا تمثل زيارة ستارمر مجرد إعادة ضبط للعلاقات الصينية البريطانية، بل عودة إلى منطق «التعاون المربح للجميع» في إدارة الشؤون العالمية. والمسار البريطاني – من «عصر ذهبي» إلى «عصر جليدي»، ثم إلى براغماتية أكثر نضجًا – يبدو اليوم صورة مصغّرة لصعود وسقوط استراتيجية الاحتواء الغربية بأكملها.







