أحدثت الغارة الجوية الإسرائيلية على العاصمة القطرية، الدوحة، صدمة غير مسبوقة في الأوساط السياسية والشعبية.
فاستهداف مجمع سكني قالت إسرائيل إنه يأوي قيادات من حركة «حماس»، اعتُبر تجاوزًا لكل الخطوط الحمراء، إذ تسبب بمقتل خمسة من أعضاء الحركة وعنصر من قوات الأمن القطرية. الدوحة بدورها وصفت الهجوم بأنه «عمل عدائي سافر» واعتبرته تهديدًا مباشرًا لسيادتها وأمنها القومي.
رسالة قطر إلى واشنطن: الشراكة قيد المراجعة
بحسب مصادر مطلعة، أبلغ رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف أن بلاده بصدد «إجراء تقييم عميق» لشراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة، بعد ما وصفه بالخيانة.
وأكد أن قطر لم تعد تستبعد البحث عن شركاء آخرين إذا لم تلتزم واشنطن بحماية أمنها، خاصة بعد تعرضها لهجومين متتاليين خلال ستة أشهر، أحدهما من إيران والآخر من إسرائيل.
موقف أميركي مرتبك وضغوط على نتنياهو
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفق مسؤولين أميركيين، لم يُخف امتعاضه من الخطوة الإسرائيلية التي وصفها بـ«المتهورة وغير الحكيمة»، وطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالامتناع عن مهاجمة قطر مستقبلاً.
لكن نتنياهو لم يقدم أي اعتذار علني، بل ألمح إلى إمكانية تنفيذ ضربات أخرى، ما زاد من توتر الموقف وأحرج واشنطن أمام شريكتها الخليجية.
تداعيات إقليمية ودعوات للتحرك الجماعي
رئيس الوزراء القطري شدد في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» على أن الهجوم الإسرائيلي أنهى أي أمل بشأن ملف الرهائن في غزة، مؤكداً أن بلاده «تعيد تقييم كل شيء» بما في ذلك دورها كوسيط رئيسي في المفاوضات.
كما دعا إلى رد جماعي عربي – إسلامي، وأعلنت الدوحة بالفعل عن استضافة قمة طارئة يومي الأحد والاثنين لبحث الهجوم ووضع استراتيجية مشتركة.
جنازة رسمية ورسائل سياسية
وزارة الداخلية القطرية أعلنت عن تشييع رسمي لشهداء الهجوم الإسرائيلي، بينهم نجل كبير مفاوضي «حماس» خليل الحيّة ومدير مكتبه، إضافة إلى عنصر من الأمن القطري.
هذا التشييع، وفق مراقبين، لا يُعد مجرد حدث إنساني بل رسالة سياسية قوية تعكس إصرار الدوحة على التصدي لمحاولات تقويض دورها الإقليمي.
هل تذهب قطر نحو بدائل استراتيجية؟
تساؤلات كبرى تُطرح اليوم: هل ستتجه قطر نحو توثيق علاقاتها الأمنية مع قوى أخرى مثل تركيا أو حتى الصين وروسيا؟ أم ستظل تراهن على التحالف الأميركي رغم الاهتزازات الأخيرة؟.
ووفقًا للخبراء فمن الواضح أن الضربة الإسرائيلية لم تستهدف فقط قيادات «حماس»، بل وضعت مستقبل الشراكة الأمنية القطرية – الأميركية أمام اختبار غير مسبوق.
خيارات الدوحة بين الشراكة والبدائل
كما أكد الخبراء أنه منذ عقود، اعتمدت قطر بشكل كبير على المظلة الأمنية الأميركية، عبر استضافة قاعدة «العديد» الجوية التي تُعد الأكبر في المنطقة.
إلا أن الغارات الإسرائيلية الأخيرة وضعت هذه الشراكة في موضع تساؤل: هل ما زالت واشنطن قادرة على ضمان حماية حليفها الخليجي؟ أم أن قطر تشعر اليوم بأن أمنها قد تُرك مكشوفاً أمام خصومها الإقليميين؟
وأوضح الخبراء أن الموقف الأميركي بدا متردداً بين دعم قطر واحتواء إسرائيل. فإدارة ترامب لم تستطع إخفاء استيائها من قرار نتنياهو، لكنها في الوقت نفسه لم تفرض أي إجراءات رادعة. هذا الموقف يعكس المعضلة التقليدية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط: الحفاظ على توازن صعب بين التحالفات مع الدول العربية وبين الشراكة الاستراتيجية مع إسرائيل.
وتابع الخبراء، أن إعلان الدوحة أنها قد تلجأ إلى «شركاء آخرين» يعكس إدراكها للتحولات الجيوسياسية في العالم. تركيا، الصين وروسيا تبدو خيارات مطروحة أمام قطر لتعزيز أمنها في حال تخلت واشنطن عن التزاماتها. غير أن هذه الخطوة، إن حدثت، ستغيّر قواعد اللعبة في الخليج وستضع قطر في مواجهة مباشرة مع منظومة التحالف الغربي.
وذكروا أن قرار قطر إعلان مراجعة الشراكة مع واشنطن يحمل أيضاً بُعداً داخلياً. فهو يأتي كرد على حالة «الشعور بالخيانة» التي تسود المجتمع القطري، ليؤكد أن القيادة لا تقف مكتوفة الأيدي. هذا الموقف السياسي يحمل في طياته رسالة تطمين للشعب بأن أمن البلاد وسيادتها خط أحمر لا مجال للتهاون فيه.
أما عن مستقبل الوساطة القطرية، فذكر الخبراء أنه لطالما لعبت الدوحة دور الوسيط بين أطراف النزاعات، خصوصاً في الملف الفلسطيني، لكن الهجوم الإسرائيلي الأخير قد يضعف ثقة الأطراف الدولية بقدرة قطر على الاستمرار بهذا الدور. فإذا قررت الدوحة إعادة تموضعها الاستراتيجي بعيداً عن واشنطن، فإنها قد تخسر بعضاً من النفوذ السياسي الذي راكمته خلال السنوات الماضية، لكنها بالمقابل ستكسب ورقة ضغط جديدة في مواجهة إسرائيل وحلفائها.






