في مشهد سياسي نادر، اختار الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن يتحدث مباشرة إلى الجمهور الإسرائيلي عبر شاشة القناة 12 العبرية، في مقابلة وُصفت بأنها استثنائية في توقيتها ودلالاتها، إذ جاءت بعد إعلان الولايات المتحدة عن اتفاق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، ما أضفى على الحوار أهمية تتجاوز حدود الحدث الإعلامي إلى ما يشبه إعادة رسم موقع السلطة الفلسطينية في خريطة ما بعد الحرب.
“عباس” الذي بدا حريصًا على إرسال إشارات تهدئة، قال بوضوح إن “السلام والأمن والاستقرار” بين الفلسطينيين وإسرائيل هو الأمل الذي يسعى إليه، رابطًا بين وقف شلال الدم في غزة والضفة والقدس، وبين بناء مرحلة جديدة عنوانها التهدئة الدائمة والتسوية السياسية
من هدنة غزة إلى سلام دائم
الربط الذي أجراه عباس بين هدنة غزة والسلام الشامل لم يكن عفويًا، بل عكس رؤية سياسية تسعى لتحويل التهدئة المؤقتة إلى نقطة انطلاق لمسار سياسي دائم، فبالنسبة للسلطة الفلسطينية، تمثل هذه اللحظة فرصة لإعادة إدماج نفسها في معادلة القرار، واستعادة موقعها كشريك تفاوضي رئيسي لا يمكن تجاوزه.
ويرى مراقبون أن تصريحات “عباس” تشي بمحاولة فلسطينية للاستفادة من الزخم الدولي الذي رافق اتفاق وقف النار، لطرح فكرة أن “غزة لا يمكن فصلها عن المشروع الوطني الفلسطيني”، وأن أي تسوية يجب أن تشمل كامل الأراضي الفلسطينية في إطار حل سياسي شامل.
وفي خلفية هذا التحرك، تكمن معركة شرعية داخلية تخوضها السلطة الفلسطينية منذ سنوات، فبعد تراجع حضورها في غزة وهيمنة حركة حماس على القطاع، تواجه السلطة انتقادات داخلية حادة تتعلق بالأداء والإصلاح والفساد، لذلك يسعى عباس اليوم إلى استعادة زمام المبادرة عبر مسارين متوازيين: الأول سياسي يتمثل في الانخراط في مسار سلام جديد بضمانة أميركية، والثاني إداري – إصلاحي يسعى إلى ترميم صورة السلطة أمام الداخل والخارج.
إصلاحات هيكلية.. ورسائل إلى واشنطن وتل أبيب
في المقابلة نفسها، أعلن عباس عن خطة إصلاح واسعة تشمل التعليم والمال والصحة والأمن، مؤكداً أن بعضها بدأ تنفيذه فعلاً. لكنه توقف مطولاً عند ملفٍ شديد الحساسية: رواتب الأسرى في السجون الإسرائيلية، كما كشف أن السلطة اتفقت مع الولايات المتحدة على صيغة جديدة لهذا الملف، وهو ما يشير إلى مستوى غير مسبوق من التنسيق المباشر بين رام الله وواشنطن.
ويمثل هذا التفاهم – بحسب محللين – محاولة فلسطينية لإبطال الذرائع الإسرائيلية التي تتهم السلطة بـ”تمويل الإرهاب”، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الدعم الشعبي لعائلات الأسرى، فمن الناحية السياسية، يعكس هذا الموقف توازناً دقيقاً بين الواجب الوطني تجاه الأسرى والشهداء، وبين متطلبات المجتمع الدولي الذي يشترط الشفافية والإصلاح مقابل استمرار الدعم المالي والسياسي.
ولم يكن المرسوم الرئاسي الذي أصدره عباس في فبراير الماضي، بإلغاء القوانين القديمة الخاصة بمخصصات الأسرى وتوحيدها في مؤسسة حكومية واحدة، إلا خطوة إضافية في هذا الاتجاه. إذ تحاول القيادة الفلسطينية تقديم صورة دولة منضبطة مؤسساتياً، قادرة على إدارة شؤونها وفق معايير دولية.
بين رسائل العلن وخفايا الكواليس
المقابلة النادرة حملت – وفق دبلوماسيين – رسائل مزدوجة: الأولى موجهة إلى الداخل الإسرائيلي لتؤكد أن القيادة الفلسطينية لا تزال شريكًا محتملاً في أي مسار سلام قادم، والثانية إلى العواصم الغربية، خصوصاً واشنطن، لتُظهر جدية رام الله في الإصلاح والانفتاح والتعاون الأمني، وفي المقابل، وُجهت رسائل غير معلنة إلى الفصائل الفلسطينية الأخرى، تؤكد أن أي ترتيبات مستقبلية لغزة لن تكون شرعية أو قابلة للاستمرار إلا تحت قيادة السلطة الفلسطينية، وبما ينسجم مع رؤية حل الدولتين.
ومنذ اندلاع الحرب الأخيرة، ارتفعت وتيرة الدعوات الدولية لتوحيد الكيان الفلسطيني السياسي والإداري، خصوصاً من واشنطن وبروكسل، ويرى محللون أن هذه الضغوط تمثل اليوم المحرك الرئيسي لأجندة الإصلاح داخل السلطة، وأن عباس يسعى إلى استثمارها للحصول على شرعية دولية جديدة تمكنه من العودة إلى واجهة المشهد الإقليمي.
تصريحات عباس حول الاتفاق مع واشنطن بشأن رواتب الأسرى، تُقرأ في بعض الأوساط على أنها خطوة تكتيكية مؤقتة تهدف إلى تخفيف الضغط الإسرائيلي واستعادة الثقة الأميركية، لكنها في الوقت نفسه قد تمهد لتحول أعمق في طبيعة العلاقة الفلسطينية – الأميركية التي شهدت فتوراً خلال السنوات الماضية، فواشنطن، التي تراقب الوضع في غزة عن كثب، تدرك أن أي تسوية مستقبلية تتطلب وجود سلطة فلسطينية قادرة على الحكم، ومقبولة دولياً وإسرائيلياً في آن واحد.
اليوم التالي للحرب.. السلطة أمام اختبار القيادة
كما تأتي تصريحات عباس في وقت يجري فيه الإعداد لمباحثات إقليمية ودولية حول “اليوم التالي” للحرب في غزة، وما إذا كانت السلطة الفلسطينية ستكون مؤهلة لتولي إدارة القطاع، وهنا تبدو المقابلة بمثابة إعلان نوايا مبكر بأن رام الله جاهزة للعودة، شرط أن يتم ذلك ضمن إطار وطني شامل وبرعاية دولية واضحة.
وعلى الرغم من النبرة الهادئة والتفاؤلية التي طغت على حديث عباس، إلا أن الواقع الميداني والسياسي يشير إلى أن السلام لا يزال بعيد المنال، فالمشهد الإسرائيلي الداخلي يعاني من انقسامات حادة، فيما يتصاعد الغضب الشعبي الفلسطيني من استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني، ويخشى مراقبون أن يكون خطاب السلام الحالي مجرد محاولة سياسية لكسب الوقت وترميم العلاقات الدولية، دون أن يوازيه تحرك فعلي على الأرض يضمن إنهاء الاحتلال وتحقيق دولة فلسطينية مستقلة.
عباس يحاول كسر العزلة السياسية
وتعقيبا على ذلك، يرى الدكتور نبيل فخري، المتخصص في الشأن الإسرائيلي، أن مقابلة الرئيس عباس مع القناة العبرية ليست خطوة إعلامية فحسب، بل محاولة مدروسة لكسر العزلة السياسية التي تعيشها السلطة الفلسطينية منذ سنوات، فعباس، بحسب فخري، يدرك أن الحرب في غزة أعادت خلط الأوراق الإقليمية، وأنه لا بد من مبادرة استباقية تضمن للسلطة موقعًا في “اليوم التالي” للحرب، قبل أن تفرض القوى الدولية أو الإقليمية ترتيبات تتجاوزها.
ويؤكد “فخري” أن الخطاب الهادئ الذي تبناه عباس في حديثه إلى الإسرائيليين، يعكس رغبة في إعادة جسور الثقة التي تهشمت خلال العقد الأخير، خاصة بعد توقف المفاوضات وتوسع المستوطنات، فعباس يدرك أن الرأي العام الإسرائيلي، رغم ميله نحو اليمين، لا يزال يتأثر بلغة الأمن والاستقرار، وهي اللغة التي اعتمدها في خطابه لتقديم السلطة كشريك يمكن الاعتماد عليه.
ويشير الخبير إلى أن إقحام اسم الولايات المتحدة في أكثر من موضع بالمقابلة لم يكن صدفة، إذ تسعى رام الله إلى إعادة واشنطن إلى موقع الراعي الفعلي للمفاوضات، بعدما همشت نفسها خلال الإدارات السابقة، فخطة الإصلاحات، بما فيها ملف رواتب الأسرى، تشكل – من وجهة نظر فخري – بوابة العودة إلى الحظيرة الأميركية التي تفتح الطريق لاحقًا أمام أي استئناف لعملية السلام.
لكن فخري يحذر من أن هذا الرهان على الغرب وحده يحمل مخاطرة سياسية، لأن المجتمع الفلسطيني الداخلي ما زال يرى في الولايات المتحدة طرفًا منحازًا لإسرائيل، وليس وسيطًا نزيهًا، لذا فإن نجاح هذه المقاربة مرهون بقدرة عباس على تحقيق توازن بين كسب دعم واشنطن، والحفاظ على الثقة الشعبية في الداخل الفلسطيني.
السلام ليس قرارًا فرديًا بل معادلة مركبة
فيما يرى الدكتور سليم الكيالي أن حديث عباس عن السلام لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الكبرى في ميزان القوى الإقليمي، فالتسوية السياسية اليوم لم تعد قرارًا فلسطينيًا أو إسرائيليًا خالصًا، بل نتاج معادلة معقدة تشارك فيها واشنطن، وبلدان عربية، وقوى إقليمية أخرى كإيران وتركيا، وبالتالي، فإن قدرة السلطة على تحقيق اختراق حقيقي مرهونة بمدى قبول هذه الأطراف لدورها الجديد.
ويشير “الكيالي” إلى أن تركيز عباس على الإصلاحات الداخلية ليس مجرد مطلب دولي، بل محاولة لاكتساب ما يسميه “الشرعية بالإنجاز”؛ أي أن السلطة تستطيع أن تبرر استمرارها إذا حققت إصلاحات ملموسة تمس حياة المواطن الفلسطيني، فالمجتمع الدولي لن يقبل بقيادة تفتقر إلى الكفاءة، والشعب لن يمنح ثقته لسلطة لا تقدم بديلاً واقعياً عن الانقسام.
ويضيف “الكيالي” أن البيئة الإقليمية الحالية – خاصة بعد الكلفة البشرية والاقتصادية للحرب في غزة – تدفع جميع الأطراف إلى البحث عن مخرج سياسي، فالعالم العربي، المنشغل بأزماته الاقتصادية، لم يعد يتحمل تصعيداً جديداً، والولايات المتحدة تسعى لتثبيت هدوء طويل الأمد في الشرق الأوسط استعداداً لانتخابات الرئاسة المقبلة، ومن هنا، يرى الكيالي أن كلام عباس عن “السلام والأمن” يجد صدى دولياً أكثر مما يجد داخلياً.
ويختتم الخبير تحليله بالتأكيد على أن الوقت لا يعمل لصالح السلطة الفلسطينية؛ فكل تأخير في بلورة رؤية واضحة لما بعد الحرب يمنح أطرافاً أخرى فرصة ملء الفراغ، سواء كانت قوى فلسطينية ميدانية أو أطرافاً إقليمية تبحث عن نفوذ في غزة. لذلك، يرى الكيالي أن المبادرة الإعلامية والسياسية الأخيرة كانت ضرورية لتأكيد أن رام الله ما زالت حاضرة في المشهد.
السلام يحتاج إلى خطاب جديد وشركاء جدد
وتقول الدكتورة حنان العطار، الخبيرة السياسة، إن مشكلة الخطاب الفلسطيني الرسمي تكمن في أنه لم يواكب التحولات المجتمعية في إسرائيل أو في العالم. فعباس بخطابه الأخير يحاول أن يطرح نغمة مختلفة تعتمد على “السلام من أجل الأمن”، وهي صيغة قد تلقى قبولاً في الأوساط الإسرائيلية التي تخشى من الفوضى والتهديدات الإقليمية، لكن هذا الخطاب – كما ترى العطار – يحتاج إلى شركاء سياسيين حقيقيين داخل إسرائيل يملكون الشجاعة لدفعه إلى الأمام.
وتؤكد العطار أن أي حديث عن سلام دائم مع إسرائيل دون مصالحة فلسطينية داخلية سيكون هشاً، فالوحدة الوطنية هي الشرط المسبق لأي مفاوضات جادة، لأن إسرائيل والغرب لا يمكن أن يتعاملوا مع كيان فلسطيني منقسم على ذاته. وتعتبر أن دور عباس القادم يجب أن يركز على توحيد البيت الفلسطيني أكثر من البحث عن تفاهمات مع تل أبيب.
وترى العطار أن العقبة الكبرى أمام عباس ليست في واشنطن أو تل أبيب، بل في الشارع الفلسطيني نفسه الذي فقد الثقة في جدوى المفاوضات بعد عقود من الوعود المؤجلة، لذلك يجب أن يقترن الحديث عن السلام بخطوات ميدانية حقيقية تعيد الثقة للناس، كتحسين الاقتصاد، وإعادة إعمار غزة، وإشراك الشباب في مؤسسات القرار.
الفرصة الأخيرة للسلام
وتختم “العطار” بالقول إن المرحلة الحالية قد تمثل الفرصة الأخيرة لمسار التسوية، فالعالم يتهيأ لإعادة ترتيب المنطقة، وإذا لم تستغل السلطة الفلسطينية هذه اللحظة، قد تجد نفسها خارج اللعبة تماماً، فإما أن تلتقط اللحظة وتتحول إلى كيان سياسي فاعل يقود مشروع الدولة، أو تبقى رهينة الانتظار في مشهد لا يرحم المترددين.






